أخرى ؛ فمن الأوّل قوله تعالى :
الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ
الواقعة : 92 ، ومن الثّاني قوله :
الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ
الواقعة : 51 .
ولعلّ السّرّ فيه هو أنّ الإفك في الأصل الصّرف والقلب ، فيوصف بالافتراء والكذب ، وقد يستعمل فيهما . وأمّا الكذب فهو مستعمل في معناه ، فيقع صفة وموصوفا ، على أنّ الإفك هو القلب القبيح ، فينبغي أن يوصف بالبيان ونحوه تأكيدا لمعناه الأصليّ .
الثّالث : الانقلاب :
1 -
وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى * فَغَشَّاها ما غَشَّى
النّجم : 53 ، 54
2 -
. . . قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ
التّوبة : 70
3 -
وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ
الحاقّة : 9
ويلاحظ أوّلا : أنّ كلمة ( المؤتفكة ) في الآية الأولى وردت مفردة ، خلافا للآيتين التّاليتين ، ممّا يشعر بتعدّد القرى المنقلبة . وقد اختلفوا في عددها ؛ فقيل : هي ثلاث قرى ، وقيل : أربع ، وقيل : تسع . وهذا الاختلاف مردّه - فضلا عن اختلاف الرّوايات - إلى أنّ ( المؤتفكات ) وهي جمع مؤنّث سالم ، ومن جموع القلّة الّتي يتراوح عددها من ثلاث إلى تسع .
وثانيا : أجمع المفسّرون قاطبة على أنّ هذه المؤتفكات تخصّ قوم لوط دون غيرهم ؛ فقد استعرض القرآن أحوال الأمم السّابقة تحذيرا للأمم اللّاحقة ؛ فسبق الآية الأولى قوله :
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبْقى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ
النّجم : 50 - 52 ، وسبق الآية الثّالثة قوله :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ
الحاقّة : 4 . فسبق المؤتفكة والمؤتفكات ذكر عاد وثمود وقوم نوح في الآيتين الأوليين ، وسبق المؤتفكات ذكر ثمود وعاد في الثّالثة ، دون أن يأتي على ذكر قوم نوح ، كما في الآيتين .
وقد ورد في الثّانية - إضافة إلى الأقوام الثّلاثة - ذكر قوم إبراهيم وأصحاب مدين ، فهي تجمع أربع حقب متفاوتة : إحداها : حقبة نوح وقومه ، وهي فترة ضاربة في القدم .
والثّانية : حقبة إبراهيم ولوط ، وهي تعتبر متقدّمة بالنّسبة إلى الأجيال الباقية .
والثّالثة : حقبة النّبيّ هود وصالح وقومهما عاد وثمود ، وهي فترة متوسّطة .
والرّابعة : حقبة موسى وشعيب وقومهما ، وهي فترة متأخّرة إذا ما قيست بما سبقتها . ولم تذكر هذه الحقب بحسب ترتيبها الزّمنيّ في الآيات الثّلاث .
وثالثا : اختلف المفسّرون في المؤتفكة والمؤتفكات ، أهي أمم وأقوام أم قرى ومدائن ؟ وما قاله أبو حيّان حول إجماعهم على أنّها مدائن قوم لوط ، ليس بسديد .
وسياق الآيات الثّلاث يحتمل الوجهين ؛ فقد سبق الآية الأولى قوله :
وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى
النّجم : 52 ، ثمّ يعقّبه مباشرة قوله :
وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى ،
فالمؤتفكة عطف على ( قوم نوح ) ؛ فالتّقدير : « وقوم المؤتفكة » . وسبق ( المؤتفكات )