وتاسعا : قوله :
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ
فسّروه بقولهم :
قال ربّكم ، أمر ، أعلم ، حتم ، عزم ، حلف وأقسم . ولا شاهد على شيء منها ، سوى أنّ الآية بصدد الإعلان الجازم الصّارم لبني إسرائيل بأنّكم إذا شكرتم لأزيدنّكم ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد .
والقسم هنا يستفاد من اللّام في ( لئن ) لا من لفظ ( تاذّن ) ، كما أنّ الحتم والعزم مستفاد من أداة الشّرط ونون التّأكيد في الجملتين ومن السّياق ؛ حيث قابل الشّكر بالكفر والزّيادة بالعذاب الشّديد . وجاء بعدها
وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ
إبراهيم : 8 ، ومن هنا يحتوي التّأذّن معنى الإنذار ، كما مرّ نظيره في
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ
الحجّ : 27 .
وعاشرا : هل هذه الصّيغ ، أي « المجرّد والإفعال والتّفعيل والتّفعّل » ، متساوية في المعنى كما عن بعضهم ؛ إذ هي مثل « أوعد وتوعّد » أو يكون بينها فرق ؟ فإنّ « تاذّن » فيه معنى زائد لزيادة اللّفظ ، وأنّه إيذان بليغ تذهل عنده الشّكوك . وإنّ « أذّن » فيه تشديد ليس في « اذن » و « آذن » مساوقة بين اللّفظ والمعنى .
فعن الزّمخشريّ : أذّن : أكثر الإعلام ، ومنه المؤذّن ، لكثرة ذلك منه . وإنّ « اذن » بالمدّ : أعلم ، و « اذّن » بالتّشديد : نادى ، والفرق هو وجود الصّوت العالي في النّداء ، والأذان دون الإيذان ، وجوه كلّها مقبولة ، ويمكن دراستها والتّحقّق منها .
والحادي عشر : « الأذان » بمعنى أذان الصّلاة ، لم يأت في القرآن وإنّما جاء في عرف الشّرع . وجاء بدله النّداء في آيتين :
1 -
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
الجمعة : 9
2 -
وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً
المائدة : 58
ومعلوم أنّ لفظ « النّداء » أظهر في رفع الصّوت والدّعوة إلى الصّلاة من لفظ « الأذان » .