بحذف حرف المدّ لاختلاس حركة النّون ، و « أحنوخ » .
الاستعمال القرآنيّ ، وفيه :
1 - على الرّغم من تأكيد النّصوص على أنّ إدريس هذا هو من أجداد نوح ، فالمستفاد من القرآن أنّه أحد أنبياء بني إسرائيل . فقد مرّ في صدر البحث أنّ إدريس جاء في آيتين ، إحداهما في سورة مريم والأخرى في الأنبياء .
أمّا الّتي في مريم فإنّها متأخّرة عن ذكر جماعة من الأنبياء ، فقد بدأت هذه السّورة بذكر زكريّا ويحيى ثمّ مريم وعيسى ، ثمّ عادت إلى ذكر إبراهيم وموسى وهارون وإسماعيل ( صادق الوعد ) إلى أن تقول :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا * وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا
: 56 ، 57 ، وأضافت مباشرة :
أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا . . .
: 58 ، وهذا السّياق كأنّه تصريح بأنّ إدريس من ذرّيّة آدم ، وممّن حمل مع نوح ، ومن ذرّيّة إبراهيم وإسرائيل ، وإلّا فهذا السّياق يرفض على أقلّ تقدير أنّ إدريس من أجداد نوح .
وأمّا آية الأنبياء فلعلّها أقرب من ذلك ، فإنّ تلك السّورة تبدأ بسرد قصص الأنبياء بذكر موسى وهارون ، ثمّ إبراهيم ولوط ، ثمّ إسحاق ويعقوب ، ثمّ تعود إلى الخلف لتذكر :
وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ
الأنبياء : 76 ، ثمّ ترجع إلى داود وسليمان وأيّوب ، إلى أن تقول :
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ
الأنبياء : 85 ، ثمّ تذكر ذا النّون ، ثمّ زكريّا ويحيى .
فالمشاهد في هذا السّياق ذكر إدريس بعد داود وسليمان ، وقبل ذي النّون وزكريّا ويحيى ، وهؤلاء كلّهم من بني إسرائيل . وفي نفس الآية ذكر إدريس مع إسماعيل وذي الكفل . وإسماعيل هذا إمّا ابن إبراهيم ، أو رجل آخر يسمّى « صادق الوعد » ، وهو الظّاهر هنا بقرينة آية مريم ؛ حيث جاء فيها :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ
إلى أن قال :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا
مريم : 56 ، وبقرينة قوله :
وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ
ص : 48 ، لاحظ « إسماعيل » .
فإنّ إسماعيل وذا الكفل هما من بني إسرائيل ، وقد جاء إدريس متوسّطا بينهما في آية الأنبياء :
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ،
ولا أقل من أنّ هذا السّياق في الآيات يأبى كون إدريس من أجداد نوح ، لولا أنّه كالتّصريح في كونه من بني إسرائيل ، وأنّ هؤلاء كلّهم من الصّابرين على ما أصابهم من هذه الأمّة العاصية العاتية العنيدة .
2 - ووصف إدريس في الآيتين بأنّه كان صدّيقا نبيّا ، وأنّه من الصّابرين كشأن سائر الأنبياء . والسّياق يشعر بالدّوام ، وأنّه كان مداوما على هذه الخصال ، كملكة راسخة فيه ، ولولا ذلك لما استحقّ النّبوّة والزّعامة . ولا يخفى أنّ هذا الوصف نفسه قد جاء في نفس السّورة في شأن إبراهيم شيخ الأنبياء :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا
مريم : 41 ، وكفى به عظمة ، كما أنّ الصّبر من أوصاف أولي العزم من