والحقيقة ، وكونه من الأنبياء المرسلين في مرتبة إسماعيل وذي الكفل ، وأنّه من الصّابرين على الحقّ الّذين هم استقاموا على الطّريقة الإلهيّة ، وأداء الوظائف المعيّنة .
[ إلى أن قال : ]
فظهر ممّا ذكر أنّ إدريس لا شكّ أنّه أخنوخ بن يارد ، وأنّه قبل نوح ، وأنّه من الأنبياء الصّدّيقين .
وأمّا أنّ كلمة « إدريس » هل هي معرّبة من السّريانيّة أو العبرانيّة أو اليونانيّة ؟ وهل هي كانت وصفا أو لقبا أو اسما آخر له ؟ فلا مأخذ لنا في تحقيقها .
وأقوال أخر يقال في هذا المورد : من أنّ كلمة « إدريس » عربيّة من مادّة « الدّرس » ، وأنّه من أنبياء بني إسرائيل ، وأنّه هو إلياس أو غيره ، وأنّه بعد زمان نوح النّبيّ . كلّها ضعيفة ساقطة . ( 1 : 45 : 46 )
الأصول اللّغويّة
1 - قال المتقدّمون فيه : إنّه عربيّ مشتقّ من الدّرس ، فهو على وزن « إفعيل » وسمّي بهذا الاسم لكثرة دراسته كتاب اللّه ، أو لكثرة تدريسه الصّحف . وردّ المتأخّرون هذا الرّأي بقولهم : بأنّه لو كان عربيّا ما منعه من الصّرف مانع ، والعلميّة وحدها لا تمنعه من الصّرف ، وهو دليل على أعجميّته .
وتعقيبا على ما ذكر فإنّ أوزان المبالغة كلّها سماعيّة ، و « إفعيل » غير مسموع فيها ، فلو كان من الدّرس فتكثيره « درّاس » كما جاء في اللّغة ، وما قيل : إنّه من التّدريس هو وهم ، لأنّ هذه الأوزان تبنى من الأفعال الثّلاثيّة المجرّدة ، والتّدريس مزيد فيه .
2 - والصّحيح أنّه سريانيّ معرّب . وقد ورد بألفاظ مختلفة في هذه اللّغة ، فقالوا : « أندرياس » و « اندراس » و « أندروس » و « أندريس » « 1 » . واللّغة الأخيرة مطابقة للّفظ المعرّب ، إلّا أنّ همزته مكسورة فيه ، كما هو ديدن العرب مع الأسماء الأعجميّة ؛ إذ أنّهم يتصرّفون فيها تصرّفا فاحشا ، مثلما قالوا : إنجيل وإنجيل . وحذفوا النّون ، لأنّها لا تقع بين همزة ودال في اسم عربيّ ، سوى وقوعها بينهما في لفظ « أندر » بمعنى بيدر أو كدس حنطة ، ولعلّه لفظ سريانيّ ، فاللّغويّون يقولون : إنّه لغة شاميّة ، ثمّ سكّنوا الدّال للتّخفيف فصار « إدريس » .
3 - واختلفوا في المسمّى كاختلافهم في الاسم ، فقال بعضهم : هو إلياس ، وقال الجمهور : هو أخنوخ ، الوارد ذكره في التّوراة ، وقال اليونانيّون : هو هرمس الحكيم « 2 »
وسبب هذا الخلاف يرجع إلى عدم ورود اسمه في عمود النّسب ، ولكنّ النّسّابين أجمعوا على أنّ أخنوخ الوارد اسمه في العمود هو إدريس نفسه ، وهو أخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ، وهو أبو جدّ نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ .
4 - وقد وقع خلاف في ضبط لفظ أخنوخ وفي أسماء آبائه أيضا ، لأنّ هذه الأسماء عبريّة ، ومخارج حروفها تختلف عن مخارج العربيّة ، فلقد ورد بلفظ « أخنوخ » وهو أشهرها ، و « حنوخ » .
وقالوا فيه أيضا : « خنوخ » بدون همز ، و « أخنخ »
هامش
( 1 ) المعجم المقارن ( فرهنگ تطبيقي ) للدّكتور محمّد جواد مشكور ( 1 : 9 ) .
( 2 ) دائرة المعارف للبستانيّ ( 2 : 671 ) .