أب حنون ، يريد أن يجزي موسى أجر ما سقاه لهما . فمشت هي ، ومشى موسى خلفها ، ناظرا بطرف خفيّ إلى قامتها - ذلك كلّه لفت انتباه الفتى وألقى حبّها في سويداء قلبه ، وهو الآخر لا يشعر به أيضا ، بل أحسّ في نفسه رجاء بالمستقبل فقط . ثمّ قول البنت الّتي مشت لتدعو موسى لأبيها :
يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ،
فيه معنى لم تشعر به البنت ولا موسى ، لأنّها كلمة خرجت من لسانها ، منبعثة من ذلك الحبّ الخفيّ في باطنها ، دون أن تشعر ولا تشعر به أحدا ، وقد أخذت في قلب موسى مأخذها ، دون أن يشعر هو أيضا بذلك ، هذه هي حالة الفتى والفتاة .
وأمّا شعيب النّبيّ اليقظ ، فقد فطن هذا الحبّ المتبادل في قلبي الفتاة والفتى وقرأ ما في ضميرهما وكأنّه رآه رأي العين ، ولكنّه لم يشعرهما بذلك ، فبادر إلى موسى قائلا :
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ ،
فلم يبد سرّهما ، بل أبهم الكلام إبهاما ، ويكمن في هذا الإبهام - المتكرّر ثلاث مرّات : ( إحديهما ) مرّتين ، و ( احدى ابنتىّ هاتين ) مرّة واحدة - لطف وبلاغة ، لا يدركهما إلّا الأديب البارع ، المضطلع بعلم النّفس ، والّذي ذاق في حياته طعم الحبّ العذريّ الصّادق النّزيه . ويتجلّى في هذا السّياق أوج الإعجاز البلاغيّ للقرآن ، وتعكس الكلمات المتبادلة بين موسى وشعيب حول هذا الزّواج المبارك هذا الهوى العذريّ والحبّ النّزيه ، واللّه هو العالم بسرّ كتابه .
ج - إلى ضمير جمع المؤنّث الغائب مرّة واحدة :
وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً
النّساء : 20
يلاحظ أنّ موضوع الآية مهر النّساء وصدقاتهنّ ، حيث أكّد القرآن على المحافظة عليها ، وضرورة إعطائهنّ حقوقهنّ ، في الآية السّابقة لهذه الآية واللّاحقة لها . إلّا أنّ فيها مزيّة خاصّة بها ، وهي إرادة استبدال زوج مكان زوج الّتي تحدث كثيرا للمفرطين في الزّواج . وعند ذلك تكون الزّوجة تحت وطأة الزّوج الّذي أراد فراقها في صداقها ، طموحا إلى المرأة الّتي أراد وصلها ، فيجحد حقّ الأولى بهتانا وافتراء بأنّها أخذت حقّها من الصّداق من ذي قبل ، أو أنّ مقدار صداقها لم يكن مطابقا لما تدّعيه ، أو نحو ذلك من الخلط والتّمويه ، ليبلغ أربه من العشق الثّاني والثّالث وهكذا .
ونحن نعتبر هذه الحالة أشدّ الحالات حسّاسيّة للرّجال ، فخصّها القرآن بالبحث على حدة ، كما خصّ لفظ ( احديهنّ ) بها أيضا ، ليكون معلما لها ، ولم يكرّره وهذا نظير ما سبق في ( أحد عشر ) و ( أحدكما ) و ( أحدنا ) .
الحادي عشر : يلاحظ أنّ للفظة ( أحد ) و ( إحدى ) في القرآن محورين :
المحور الأوّل : ما كان دائرا في فلك المخلوقات ، ويغلب عليه الاستعمال في سياق النّفي أو ما في معناه ، كما رأينا في الآيات المتقدّمة ، ومثل قوله :
وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً
الجنّ : 2 . و
فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً
الجنّ : 18 .
وقد يأتي أيضا في سياق الإيجاب مضمّنا معنى التّجريد إلى حدّ ما في :