والكلمة فيما قالوا : معرّبة . وقد عرفنا العربيّة فيما تأخذ من ألفاظ أعجميّة ، تعطيها حسّ الدّلالة من مادّتها أو ممّا استعملتها فيه . وهي قد استعملت الإبّالة في الحزمة من الحطب ، والإبل المؤبّلة : المجموعة .
وكرّرت الباء واللّام في كلّ ما فيه ملحظ اختلاط واضطراب ، مأخوذا من بلبلة الأسنّة ، أي اختلاطها ، وبلبل القوم : هيّجهم . ومنه البلبلة في عجمة اللّسان واضطراب مسلكه في النّطق من اختلاط الألسنة .
والبلبل للطّائر المعروف ، ينطق مردّدا ما يسمعه دون وعي أو إبابة . وفارقت بين الحسّيّ في البلبلة والمعنويّ في البلبال ، للهمّ الشّديد يضطرب له البال من اختلاط الوساوس ، وكثرة الهواجس . وكلّ ذلك ممّا يعطي كلمة « أبابيل » حسّ التّأبيل والبلبلة والبلبال .
ثمّ تأخذ من سياق الآية ما في شرح ابن عبّاس من « بلبلة رؤوسهم بما تنقل من حجارة » ، وإن قصّرت جملة « تنقل من حجارة » ، عن التّعبير القرآنيّ :
تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ
الفيل : 4 ، وقصّر الشّرح « تبلبل عليهم رؤوسهم » عن التّدمير السّاحق الماحق ، في قوله تعالى :
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
الفيل : 5 ، فضلا عمّا لا وجه له من تقييد نقل الحجارة بمناقيرها .
والآية أطلقت الرّمي من كلّ قيد ، بالمناقير أو بالمخالب . . . ، واللّه أعلم . ( الإعجاز البيانيّ : 386 )
المصطفويّ : طائرات قطيعة قطيعة لها القدرة والمقاومة والاستقامة والصّبر حتّى ينلن ما يردن .
( 1 : 12 )
الأصول اللّغويّة
1 - الأصل فيه الكثرة - كما سيأتي في « إبل » - ولا يخرج عن دائرة هذا المعنى مطلقا ، وقد أطبقت أقوال اللّغويّين على ذلك . والعرب تستعمل هذا اللّفظ صفة على الدّوام ؛ فإذا ما أرادوا أن يمعنوا في موصوف ويبالغوا فيه استعملوه صفة له ، فيقولون : طير أبابيل ، وخيل أبابيل ، لبيان كثرتها . ويقولون أيضا : جاءت إبلك أبابيل ، وجاءت الخيل أبابيل ، للمبالغة في وصف كثرتها عند المجيء .
2 - وإذا كان اللّغويّون اتّفقوا في معناه ، فالنّحويّون تفرّقوا في مبناه ، فهم مختلفون في هل أنّه جمع أو اسم جمع ؟ والّذين اتّفقوا في كونه جمعا اختلفوا في واحده على أقوال : فقيل : هو إبّيل ، مثل : سكّين وسكاكين . وقيل :
إبّول ، مثل : عجّول وعجاجيل . وقيل : إبّال ، مثل : دينار ودنانير . وقيل : إبّالة ، مثل : صنّارة وصنانير . وقيل :
أبّالة . وقيل : أبّال .
3 - فمن ذهب إلى كونه اسم جمع استدلّ بالسّماع ، وجعله مثل الشّعارير والشّعاليل والعبابيد وغيرها من الألفاظ الّتي ليس لها مفرد في اللّغة . ومن قال بجمعه استدلّ بالقياس ، ومثّل بالألفاظ الآنفة الذّكر . إلّا أنّ قياسه بلفظ « إيبالة » غير مستقيم ، لأنّه على وزن « إفعالة » ولفظ « دينار » على وزن « فعّال » على الصّحيح ، فهو مثال إبّال لا إيبالة .
وقياس واحد « أبابيل » بلفظي : أبّال وأبّالة ، غير معروف في اللّغة ، وإلّا لذكروا مثالا لكلّ منهما . ولكنّ هذين الوزنين يطّردان في المبالغة ، مثل : نوّاح ونوّاحة ،