ليعصيه أو ليطيعه ، أو ليشدّه بالحبل ، وإنّما السّيّد للعبد ، وعلى هذا جرت اللّغة الفصيحة . فانعدام دلالة العصيان من الحرّ تلغي وصف استخفائه وفراره - إن حصلا - بالإباق . كما أنّه فرار ليس فيه إثم يحتسب عليه ، وإنّما الإثم يختصّ بالعبد .
الاستعمال القرآنيّ
1 - فسّر الآية كثير من المفسّرين بالمعنى اللّغويّ لهذه المادّة ؛ وقالوا : بأنّ يونس عليه السّلام هرب من مولاه ، وليس له مولى سوى اللّه تعالى ، فخرج إلى السّفينة من دون إذنه تعالى ، فأصبح آبقا مجازا ؛ تشبيها بإباق العبد من سيّده . واستبعد هذا المعنى آخرون ، وقالوا بأنّه فرّ من قومه إلى السّفينة ، أو استخفى منهم ثمّ هرب إلى السّفينة حذرا من وقوع العذاب عليه .
والقول الأوّل أرجح ؛ لأنّه يوافق اللّغة والقرآن أيضا ، بدليل قوله تعالى :
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ . . .
الأنبياء : 87 ؛ إذ فيه نوع من الحركة والشّدّة والإصرار على الهرب . وكأنّه تشدّد في أمره فقفز إلى الفلك المشحون لا الخالي ، ثمّ يثقل الفلك ويتمّ الاستسهام ، فيرمى في البحر ، وحدث له ما حدث إخطارا بأنّه لا مهرب منه تعالى إلّا إليه . وفيه أيضا تشبيه لحال يونس النّفسيّة بحال العبد الآبق ، وما يعتريه من خوف وذعر ؛ لا يدري من أين الممرّ ، وإلى أين المفرّ ؟
2 - ولم يستعمل من هذه المادّة في القرآن إلّا لفظ واحد في سورة مكّيّة ، على الرّغم من شيوعها في اللّغة ، ولم تكن هناك ضرورة لورود هذا اللّفظ كما في ( ابّا ) .
ولا نعلم له وجها سوى الإشعار بأنّ هذا النّوع من الفرار لم يصدر عن الأنبياء إلّا مرّة واحدة ، والحال أنّه يصدر من غيرهم بما لا يعدّ ولا يحصى ، واللّه أعلم بسرّ كتابه .