تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
قرر الهجرة وترك البلاد ، وقال
إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ
أي إني ذاهب إلى حيث أذن لي ربي بالهجرة إليه حيث أتمكن من عبادته فذهب إلى بلاد الشام ونزل أولا بحران من الشام ، وقوله سيهدين أي يثبتني بدوام هدايته لي . ودعا ربّه قائلا
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ
أي ارزقني أولادا صالحين . فاستجاب اللّه تعالى له وذلك أنه سافر في أرض القدس مع زوجته سارة وانتهى إلى مصر ، وحدث أن وهب طاغية مصر جارية لسارة تسمى هاجر فوهبتها سارة لزوجها إبراهيم فتسراها فولدت له غلاما هو إسماعيل وهو استجابة اللّه تعالى لإبراهيم في دعائه عند هجرته
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ
وهو قوله تعالى
فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ
. وقد أخذ سارة ما يأخذ النساء من الغيرة لما رأت جارية إبراهيم أنجبت له إسماعيل فأمر اللّه إبراهيم بأن يأخذها وطفلها إلى مكة إبعادا لها عن سارة ليقل تألمها . وهناك بمكة رأى إبراهيم رؤيته ورؤيا الأنبياء وحي وقال لإسماعيل ما أخبر تعالى به في قوله ،
فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ
كابن سبع سنين « 1 » فأكثر بمعنى أصبح قادرا على العمل معه
قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى
أي استشاره ليرى رأيه في القبول أو الرفض فأجاب إسماعيل قائلا
يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ
أي ما يأمرك به ربك
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
وفعلا خرج به إبراهيم من حول البيت إلى منى « 2 » وانتهى إلى مكان تجاوز به مكان الجمرات الثلاث وتله للجبين أي صرعه على جبينه بأن وضع جبينه على الأرض وأخذ المدية ووضعها على رقبته والتفت لأمر ما وإذا بكبش أملح والهاتف يقول اترك ذاك وخذ هذا فترك الولد وذبح الكبش وكانت آية . وهو قوله تعالى
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
، وقوله تعالى
وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ
أي الاختبار البيّن وبذلك تأهل للخلة وأصبح خليل الرحمن ، وقوله تعالى
وَفَدَيْناهُ
أي إسماعيل
بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
« 3 » أي بكبش عظيم . وهو الذي
هامش
( 1 ) روى عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه بلغ الثالثة عشرة من عمره وفي هذا أقوال ولهذا في التفسير قلنا سبع سنين فأكثر إذ بداية السعي من السابعة والبلوغ ينتهي إلى الخامسة عشر . ( 2 ) قيل إن إبراهيم لما رأى الرؤيا كانت ليلة يوم التروية وهو ثامن الحجة فسمى اليوم يوم التروية إذ تروّى فيه ويوم التاسع عرف أن الرؤيا حق لذا سمّي يوم عرفة ويوم العاشر خرج بإسماعيل ليذبحه فسمي يوم النحر لذلك واللّه أعلم . ( 3 ) اختلف في أيهما الذبيح أهو إسماعيل أم إسحاق والراجح انه إسماعيل لأن الذبح كان في مكة ولم يكن في الشام لأن إسماعيل عاش بمكة ولم يعش بالشام ولأن هاجر كانت في مكة وسارة كانت بالشام وبلغ الخلاف حتى قال بعضهم نفوض فكان التفويض مذهبا ثالثا والذي أثار هذا الخلاف هم أهل الكتاب يريدون سلب هذا الفضل عن النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وفي الأبيات الآتية إشارة إلى ذلك :إن الذبيح هديت إسماعيل * نطق الكتاب بذاك والتنزيلشرف به خص الإله نبينا * وأتى به التفسير والتأويلإن كنت أمته فلا تنكر له * شرفا به قد خصه التفضيل
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير — صفحة 419 | أبي بكر جابر الجزائري