فَتَرَبَّصُوا
: أي انتظروا فإنا معكم من المنتظرين .
معنى الآيات :
ما زال السياق في الحديث عن المنافقين المتخلفين عن غزوة تبوك فيقول تعالى
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي
أي في التخلف عن الجهاد ،
وَلا تَفْتِنِّي
بإلزامك لي بالخروج أي لا توقعني في الفتنة ، فقد روى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال له : هل لك في « 1 » بلاد بني الأصفر ؟ فقال إني مغرم بالنساء وأخشى إن رأيت نساء بني الأصفر « 2 » ( وهم الروم ) لا أصبر عنهن فأفتن ، والقائل هذا هو الجد بن قيس أحد زعماء المنافقين في المدينة فقال تعالى دعاء عليه وردا لباطله :
أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا
وأي فتنة أعظم من الشرك والنفاق ؟
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
به وبأمثاله من أهل الكفر والنفاق ، هذا ما دلت عليه الآية الأولى أما الآية الثانية
( 50 ) فقد تضمنت الكشف عما يقوله المنافقون في أنفسهم أنه إن تصب الرسول والمؤمنين حسنة من نصر أو غنيمة وكل حال حسنة يسؤهم ذلك أي يكربهم ويحزنهم ، وإن تصبهم سيئة من هزيمة أو قتل وموت يقولوا فيما بينهم
قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا
أي احتطنا للأمر فلم نخرج معهم
وَيَتَوَلَّوْا
راجعين إلى بيوتهم وأهليهم
وَهُمْ فَرِحُونَ
. هذا ما تضمنته الآية التي هي قوله تعالى
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ
« 3 »
تَسُؤْهُمْ ، وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ
« 4 » أما الآيتان الثالثة والرابعة ( 51 - 52 )
فقد علم اللّه سبحانه وتعالى رسوله ما يقوله إغاظة لأولئك المنافقين وإخبارا لهم بما يسوؤهم فقال
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا
أي من حسنة أو سيئة إلا ما كتب اللّه « 5 » لنا وما يكتبه ربنا لنا لن يكون إلا خيرا لأنه مولانا
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
ونحن مؤمنون وعلى
هامش
( 1 ) في رواية يا جدّ هل لك في جلاد بني الأصفر لتتخذ منهم سراري ووصفاء فقال الجد الخ . .
( 2 ) قيل : سمي الروم بني الأصفر : لأنّ الحبشة غزتهم وسبتهم فنشأ جيل أصفر اللون بين البياض والسواد ، وهو اللون الأصفر .
( 3 )إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌجملة شرطية وجملةتَسُؤْهُمْجواب وجزاء لها كما أن جملةوَإِنْ تُصِبْكَشرط ، والجزاءيَقُولُواالخ .
( 4 )وَيَتَوَلَّوْاأي : راجعين إلى بيوتهم ومجالسهم وهم كافرون ، فهم متولون في الحقيقة عن الإيمانفَرِحُونَأي :
معجبون بنجاحهم المؤقت .
( 5 ) أي : في اللوح المحفوظ الذي هو كتاب المقادير ، أو هو ما أخبرنا به كتابه القرآن الكريم من أنّا إمّا نظفر فيكون الظفر حسنى لنا وإمّا أن نقتل فتكون الشهادة حسنى لنا .