تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
أهل الكتاب والمشركين في أن اللّه اتخذ ولدا إذ قالت اليهود العزير ابن اللّه وقالت النصارى المسيح ابن اللّه وقال بعض مشركي العرب الملائكة بنات اللّه ، ذكر تعالى قولهم اتخذ اللّه ولدا ثم نزّه « 1 » نفسه عن هذا القول الباطل والفرية « 2 » الممقوتة ، وذكر الأدلة المنطقية العقلية على بطلان الدعوى . فأولا : ملكية اللّه تعالى لما في السماوات والأرض ، وخضوع « 3 » كل من فيهما لحكمه وتصريفه وتدبيره يتنافى عقلا مع اتخاذ ولد منهم . ثانيا : قدرة اللّه تعالى المتجلية في إبداعه السماوات والأرض وفي قوله للشيء كن فيكون يتنافى معها احتياجه إلى الولد « 4 » ، وهو مالك كل شيء وربّ كل شيء وفي الآية الثالثة ( 118 ) يرد تعالى على قولة المشركين الجاهلين :
لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ
حيث اقترحوا ذلك ليؤمنوا ويوحدوا فأخبر تعالى أن مثل هذا الطلب طلبه من قبلهم فتشابهت قلوبهم في الظلمة والانتكاس ، فقد قال اليهود لموسى أرنا اللّه جهرة ، أما رؤية اللّه وتكليمه إياهم فغير ممكن في هذه الحياة حياة الامتحان والتكليف ولذا لم يجب إليه أحدا من قبلهم ولا من بعدهم ، وأما الآيات فما أنزل اللّه تعالى وبيّنه في كتابه من الآيات الدالة على الإيمان باللّه ووجوب عبادته وتوحيده فيها ، وعلى صدق نبيه في رسالته ووجوب الإيمان به واتباعه كاف ومغن عن أية آية مادية يريدونها ، ولكن القوم لكفرهم وعنادهم لم يروا في آيات القرآن ما يهديهم وذلك لعدم إيقانهم ، والآيات يراها وينتفع بها الموقنون لا الشاكون المكذبون . وفي الآية الرابعة ( 119 ) يخفف تعالى على نبيّه همّ مطالبة المشركين بالآيات بأنه غير مكلف بهداية أحد ولا ملزم بإيمان آخر ، ولا هو مسؤول « 5 » يوم القيامة عمن يدخل النار من الناس ، إذ مهمته محصورة في التبشير « 6 » والإنذار تبشير من آمن وعمل صالحا بالفوز بالجنة
هامش
( 1 ) وذلك بقولهسُبْحانَهُمصدر معناه التبرئة والتنزيه والمحاشاة . ( 2 ) أخرج البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : قال اللّه تعالى : ( كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك . فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان وأمّا شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا ) . ( 3 ) الخضوع هنا تفسير للقنوت ، والقنوت يكون بمعنى الطاعة في ذلة وانكسار وخشوع كما هو في هذا السياق ويكون بمعنى السكوت كما في الصلاة كقوله تعالى :وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَأي لا تتكلموا في صلاتكم ويكون بمعنى الدعاء في الصلاة . ( 4 ) من الأدلة العقلية على إبطال فرية اتخاذ اللّه تعالى الولد : أن الولدية تقتضي التجانس ، واللّه تعالى ليس كمثله شيء ، وهو لا يجانسه شيء ثم الولد يتنافى مع الرق والملك واللّه له ملك السماوات والأرض فكيف يكون الرقيق ولدا ؟ ! ( 5 ) قرأ نافع وحده ولا تسأل بفتح التاء وسكون اللام في قوله : ولا تسأل عن أصحاب الجحيم وروي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يا ليت شعري ما فعل أبواي » فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . ( 6 ) البشير كالنذير فعلهما بشر وأنذر واسم الفاعل : مبشر ومنذر ، ونقل إلى بشير ونذير للمبالغة في الفعل .
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير — صفحة 105 | أبي بكر جابر الجزائري