وعلى هذا يكون ردّا على المنافقين فيما أمّلوه ورجوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين ، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين ؛ خوفا على أنفسهم منهم ، إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم كما قال تعالى :
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ . . .
( المائدة : 52 ) .
وفسر بعض العلماء هذه الفقرة على أنها ستكون يوم القيامة ؛ قال الإمام على : « ذاك يوم القيامة » .
وقيل : إنه سبحانه لا يجعل للكافرين سبيلا على المؤمنين ما داموا عاملين بالحق غير راضين بالباطل ، ولا تاركين للنهي عن المنكر كما قال تعالى :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
. ( الشورى : 30 ) .
قال ابن العربي : وهذا نفيس جدّا 135 .
142 -
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ . . .
الآية
هذا كلام مبتدأ يتضمن بعض قبائح المنافقين وفضائحهم . ولا شك أن اللّه لا يخادع ؛ فإنه عالم بالسرائر والضمائر .
ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم ؛ يعتقدون أن أمرهم كما راج عند الناس ، وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرا - فكذلك يكون حكمهم عند اللّه يوم القيامة ، وأن أمرهم يروج عنده . .
وَهُوَ خادِعُهُمْ
. أي : هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم ويخذلهم عن الحق ، وعن الوصول إليه في الدنيا ، وكذلك يوم القيامة 136 .
وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى . . .
الآية . أي : يصلون وهم متثاقلون ، لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا ، وما قيامهم للصلاة مع المصلين ، إلا مظهر من مظاهر خداعهم .
يُراؤُنَ النَّاسَ . .
أي : يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ولا يقصدون وجه اللّه .
قال ابن كثير : أي لا إخلاص لهم ، ولا معاملة مع اللّه ، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة ، ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبا كصلاة العشاء وصلاة الصبح ، كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :
« أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر » 137 .
وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا . . .
هذه الجملة معطوفة على
يُراؤُنَ
. أي : لا يذكرونه سبحانه إلا ذكرا