والآية بعد كل هذا تظل معلما رفيعا ، ومنارة هادية إلى الشهادة بالحق ولو كان ذلك على الإنسان أو قرابته أو من يهمه أمرهم لأي سبب كان كرعاية الجار ، أو الطمع في جاره ، أو منصب عند حاكم ، أو انتصار لطائفة أو مذهب ، أو نحو ذلك وما جاء في الآية إنما هو من باب ضرب المثل .
جاء في تفسير ابن كثير :
ومن هذا قول عبد اللّه بن رواحة لما بعثه النبي صلى اللّه عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزرعهم فأرادوا أن يرشوه ؛ ليرفق بهم ؛ فقال : واللّه لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلى ، ولأنتم أبغض إلى من أعدادكم من القردة والخنازير ، وما يحملني حبّى إياه وبغضي لكم على ألا أعدل فيكم ، فقالوا : بهذا قامت السماوات والأرض .
136 -
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ . . .
الآية يخاطب اللّه تعالى بهذه الآية أهل الكتاب فقد كان لهم نوع من الإيمان والتصديق ولكنه إيمان غير كامل . فقد آمن اليهود بموسى وبالتوراة وكفروا بعيسى وبالإنجيل ، كما آمن النصارى بموسى وبعيسى وكفروا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم .
قال الطبري في تفسير الآية :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
. بمن قبل محمد من الأنبياء والرسل ، وصدقوا بما جاءوهم به من عند اللّه .
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
. صدقوا باللّه وبمحمد رسوله ، أنه للّه رسول ، مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم .
وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ
. وصدّقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزّله اللّه عليه وهو القرآن الكريم .
وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ
. وآمنوا بالكتاب الذي أنزله اللّه من قبل القرآن وهو التوراة والإنجيل .
وقال ابن كثير :
وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ . .
جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة ، وقال في القرآن نزّل ؛ لأنه نزل منجما على الوقائع بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم .
وأما الكتب السابقة فكانت تنزل جملة واحدة ؛ لهذا قال تعالى :
وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ
.
وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . . .
ومن يكفر بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وبما جاء من عند اللّه فقد كفر بجميع ما أمر اللّه به ؛ لأنه فرّق بين الرسل وقال :
نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ . .
وهذا خروج عن دين اللّه وهديه واتباع للضلال والهلاك .