تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 789

مساهمون:

ص٧٨٩
والثالث : أنّ لأزواجهن إمساكهن بالمعروف قبل انقضاء الأجل ، أو فرقتهن بالمعروف . والرابع : إشهاد ذوي عدل ، وهو إشهاد على ما اختار من الرجعة والفرقة ، وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك ، وأنّه في الرجعيات خاصة بقوله
لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً
والأمر الذي يرجى إحداثه هاهنا هو المراجعة ، كما قال السلف ، ثم ذكر سبحانه الأمر بإسكان هؤلاء المطلقات فقال :
أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ
فكان الظاهر من سياق الكلام ونظمه أنّ الضمائر كلها متّحد مفسرها ، وأحكامها كلها متلازمة . وكان قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة » مفسّرا لكتاب اللّه ، ومبيّنا للمراد منه ، وأنّ الأمر بالإسكان إنما هو في خصوص الرجعيات . قالوا : ولو سلمنا أنّ الآية عامة في الرجعيات والبوائن لكان الحديث مخالفا لعمومها ، وحينئذ يكون الحديث مخصصا لعموم الآية ، فحكمها حكم تخصيص العام من الكتاب بالخاص من السنة ، وهو كثير . قالوا : وإذا بانت المرأة من زوجها صارت أجنبية ، ولم يبق إلّا مجرد اعتدادها منه ، وذلك لا يوجب لها نفقة كالموطوءة بشبهة أو زنى ، ولأنّ النفقة إنما تجب في مقابلة التمكين في الاستمتاع ، والبائن لا يمكن استمتاعه بها بعد بينونتها ، ولأنّ النفقة لو وجبت عليه لأجل عدتها لوجبت للمتوفى عنها من ماله ، ولا قائل به . وأما القول بأنّ لها السكنى دون النفقة : فهو رأي فقهاء المدينة ، وإليه ذهب مالك والشافعي ، واحتجوا لوجوب السكنى بظاهر العموم في قوله تعالى :
أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ
ولعدم وجوب النفقة بحديث فاطمة بنت قيس مع ظاهر قوله تعالى :
وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
فإنّ مفهومه أنهنّ إذا لم يكن حوامل لا ينفق عليهن ، قالوا : وحديث فاطمة صحيح لا ننكر صحته ، ولكنه قد خالف في السكنى ظاهر العموم في قوله تعالى :
أَسْكِنُوهُنَّ
ويجب قبيل القول بالتخصيص أو النسخ الجمع بين الحديث والآية ما أمكن . وقد جاء في « الصحيحين » عن عائشة وغيرها أنّ فاطمة كانت امرأة لسنة ، وأنها استطالت على أحمائها ، فأمرها النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالانتقال من مسكن فراقها . وفي « صحيح البخاري » عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : إنّ فاطمة كانت في مكان وحش ، فخيف على ناحيتها ، فلذلك أرخص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لها . وفي « صحيح مسلم » « 1 » عن هشام عن أبيه عن فاطمة نفسها قالت : قلت : يا
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 2 / 1121 ) ، 18 - كتاب الطلاق ، 6 - باب المطلقة حديث رقم ( 53 / 1481 ) .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 789 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان