تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 779

مساهمون:

ص٧٧٩
قال اللّه تعالى :
فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ( 3 )
فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
هذا من مجاز المشارفة ، بقرينة ما بعده ، لأنّه لا يؤمر بالإمساك بعد انقضاء العدة ، أي فإذا شارفن آخر عدتهنّ فأمسكوهنّ بمعروف ، أو فارقوهنّ بمعروف ، والإمساك بالمعروف مراجعتهن مع حسن المعاشرة ، والإنفاق المناسب ، والمفارقة بالمعروف تخليتهنّ حتى تنقضي عدتهن مع إيفائهن حقهن ، واتقاء الضّرار بهن .
وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ
أي وأشهدوا عند الرجعة إن اخترتموها ، أو الفرقة إن اخترتموها ، لأنّ الإشهاد يقطع النزاع ، ويدفع الريبة . وهذا أمر ندب واستحباب في الرجعة والفرقة ، كما في قوله تعالى :
وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ
[ البقرة : 282 ] وللشافعي قول في القديم بوجوب الإشهاد في الرجعة ، وأنه شرط في صحتها . والجديد أنه لا يشترط لصحتها الإشهاد عليها ، بناء على الأصح أنّها في حكم استدامة النكاح لا ابتدائه ، ومن ثمّ لم يحتج فيها لولي ولا لرضاها ، وإنما يندب فيها الإشهاد لقوله تعالى :
وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ
وصرفه عن الوجوب إجماعهم على عدم الوجوب عند الطلاق ، فكذلك عن الإمساك .
وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ
أي أدوا الشهادة أيها الشهود خالصة لوجه اللّه ، وفيه دليل على وجوب إقامة الشهادات عند الحكام على الحقوق كلها ، لأنّ الشهادة هنا اسم للجنس ، وإن كان مذكورا بعد الأمر بإشهاد ذوي عدل على الرجعة أو الفرقة ، لأنّ ذكرها بعده لا يمنع استعمال اللفظ على عمومه .
ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
الإشارة إلى ما تقدّم من الحث على إقامة الشهادة للّه ، أو إلى ما تقدّم من الأحكام كلها ، من إيقاع الطلاق على وجه السنة ، وإحصاء العدة ، والكف عن الإخراج والخروج ، والإشهاد على الرجعة أو الفرق ، وإقامة الشهادة للّه ، أي هذه الأحكام يوعظ بها من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر ، لأنه المنتفع بها .
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
هذا اعتراض جيء به لتأكيد ما سبق من الأحكام ، أي
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ
في كل عمله
يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً
من هموم الدنيا ومضارها ، وغمرات الموت ؛ وأهوال الآخرة وشدائدها ، ويرزقه الفوز بخيري الدارين ، من وجه لا يخطر بباله ، وإذا كان هذا وعدا لعامة المتقين ، تناول بعمومه الزوج الذي اتقى اللّه في الطلاق للسنة ، ولم يخرج المعتدة من مسكنها ، وأمسك