وقيل : الفاحشة المبينة تطلق على النشوز .
قال الجصاص « 1 » : هذه المعاني كلها يحتملها اللفظ ، وجائز أن يكون جمعها مرادا ، فيكون خروجها فاحشة ، وإذا زنت أخرجت للحد ، وإذا بذت على أهله أخرجت أيضا ، قال : وما ذكرنا من التأويل المراد يدل على جواز انتقالها للعذر ، لأنّ اللّه تعالى قد أباح لها الخروج للأعذار التي وصفنا .
ولكنّك تعلم أننا إذا خرّجنا الآية على المعنى الأول فإنّها تدلّ على أنه لا يباح خروجها بحال ، فكيف يقول الجصاص : وجائز أن يكون جميع هذه المعاني مرادا ؟
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
أي الأحكام السابقة حدود اللّه التي حدّها وعيّنها لعباده ،
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ
أي ومن يتجاوز هذه الحدود المذكورة
فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
فقد حمّل نفسه وزرا ، وأكسبها إثما ، فصار بذلك لها ظالما وعليها متعديا . أو فقد ظلم نفسه بتعريضها للضرر الدنيوي ، كما سيأتي تفصيله .
لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً
هذه جملة مستأنفة مسوقة لتعليل مضمون الشرطية السابقة .
والخطاب فيها للمتعدي بطريق الالتفات ، لمزيد الاهتمام بالزجر عن التعدي .
والمعنى : من يتعدّى حدود اللّه فقد عرّض نفسه للضرر ، فإنك لا تدري أيها المتعدي عاقبة الأمر ، لعل اللّه يحدث في قلبك بعد الذي فعلت من التعدي أمرا يقتضي خلاف ما فعلت ، فامتثل أمر ربّك ، ولا تطلّق في الحيض ، ولا تهمل في إحصاء العدة ، ولا تخرج المعتدة من بيتها ، لا يحملنك البغض والغضب على أن تفعل شيئا من ذلك ، فإنّ الكراهة والمحبة بيد اللّه مقلب القلوب ، فعسى أن ينقلب البغض محبة والمقت مقة ، والطلاق رجعة ، فانظر لنفسك ، وأبق للصلح بابا ، ولا تبت حبل المودة بتا ، فتندم حين لا ينفع الندم ، والواقع يصدّق ذلك ، فإن الغالب في الطلاق أن يكون نتيجة كراهة كاذبة ، أو ثورة غضب جامحة تغمر العقل ، وتقوى عليه ، حتى إذا تمّ الانفصال ، وهدأت الأعصاب ، وثاب الرجل إلى رشده ، انتابته عوامل القلق والحنين إلى صحبة مضت أن تعود ، وتذكّر من زوجته خلالا كان يرضاها ، وقلما يخلو أحد من ذلك ، كما
قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقا رضي خلقا » « 2 »
وقد يكون بينهما ولد ، أو يظهر بها حمل ، فتتأكد الرغبة فيها ، والندم على طلاقها .
هامش
( 1 ) انظر أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص ( 3 / 462 ) .
( 2 ) رواه مسلم في الصحيح ( 2 / 1091 ) ، 17 - كتاب الرضاع ، 18 - باب الوصية بالنساء حديث رقم ( 61 / 1469 ) .