تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 758

مساهمون:

ص٧٥٨
استطاع إلى ذلك سبيلا ، وهؤلاء قد نهانا اللّه عن برّهم ، وتوليهم ، وموادتهم ، بل أمرنا أن نقعد لهم كل مرصد ، وأن نعدّ لقتالهم ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل . والفريق الثاني : قوم كافرون ، ولكنهم لم يقاتلونا ، ولم يخرجونا من ديارنا ، ولم يظاهروا ، إما لعهد بيننا وبينهم ، وإما لأنهم قوم ضعاف لا يستطيعون حربا ، ولا قتالا ، ولا إخراجا ، ولا مظاهرة على إخراج ، وهؤلاء قد بيّن اللّه أنه لا ينهانا عن برّهم والإقساط إليهم . وهناك فريق لا يعلم المؤمنون حالهم على الجزم ، وهم يظهرون الإيمان ، فهؤلاء بيّن اللّه حكمهم في الآيات التي معنا ، فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ
إلخ نزلت هذه الآية بعد صلح الحديبية ، وقد روي أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر عليا رضي اللّه عنه أن يكتب عقد الصلح ، فكتب : باسمك اللهم . هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه سهيل بن عمرو ، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين ، يأمن فيها الناس ، ويكفّ بعضهم عن بعض ، على أنّ من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه ردّه عليه ، ومن جاء قريشا من محمّد لم يردوه عليه ، وأن بيننا عيبة مكفوفة ، وأنّه لا إسلال ولا إغلال ، وأنه من أحبّ أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه . وقد نفّذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم العهد ، فجاءه أبو جندل بن سهيل فرده ، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في مدة العهد ، وإن كان مسلما . ثم جاءت المؤمنات مهاجرات ، وكانت أمّ « 1 » كلثوم بنت عقبة بن معيط إحدى المؤمنات الجائيات ، فخرج أخواها عمّار والوليد ، حتى قدما على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكلّماه في أمرها ليردها إلى قريش ، فنزلت الآية ، فلم يردها صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : نزلت الآية في امرأة تسمّى سبيعة بنت الحارث الأسلمية ، جاءت مؤمنة مهاجرة ، وطلبوا ردّها . فنزلت « 2 » الآية . وقيل : نزلت في غيرها ، ولعل سبب النزول متعدّد ، وعلى أي حال فالآية في امرأة أو نساء جئن مهاجرات بعد صلح الحديبية . وقد منعت الآية إرجاع هؤلاء النسوة إلى الكفار . فقيل : نزلت الآية بيانا لنص العقد ، وأنه ما تناول إلّا الرجال ، غير أنّ هذا يكون من تخصيص العام بالمتأخر ، لأنّ نصّ عقد الصلح كان عاما « من جاء إلى محمد من قريش دون إذن وليه ردّه عليه »
هامش
( 1 ) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير ( 7 / 376 ) ترجمة ( 7585 ) . ( 2 ) رواه البخاري في الصحيح ( 5 / 80 ) ، 64 - كتاب المغازي ، 36 - باب غزوة الحديبية حديث رقم ( 4180 ) .