عند إيتاء الأجور ، فمتى أعطيت الأجور ، فليس شيء وراء ذلك يمنع من الحلّ .
وأنت تعلم أنّ هذا الحكم وإن كان قد بطل العمل به بالنسبة لمن جرى بينه وبين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عهد الحديبية من قريش ، فإنّه لا مانع أن يكون معمولا به في العهود التي تجري بين المسلمين والكفار في مثل تلك الحالة التي كان عليها المسلمون يومئذ . فإذا عاهدناهم على أنّ من جاءتنا مؤمنة من أزواجهم رددنا عليهم ما أنفقوا وجب الوفاء بذلك العهد .
هذا وقد اختلف العلماء في الحربية تخرج إلى المسلمين مسلمة ، فقال أبو حنيفة : إذا خرجت الحربية مسلمة ، ولها زوج كافر في دار الحرب ، وقعت الفرقة بينهما ، ولا عدّة عليها . وقال أبو يوسف ومحمد : تقع الفرقة ، وعليها العدة . وإن أسلم الزوج بعد ذلك لم تحل له إلا بنكاح جديد ، وإليه ذهب سفيان الثوري .
وقال مالك والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي : إن أسلم الزوج قبل أن تحيض ثلاث حيض فهي امرأته . ولا تحل الفرقة إلا إذا انقضت العدة ، فإذا انقضت فلا سبيل له عليها إن اجتمع معها في الإسلام بعد ذلك ، ولا تحل له إلا بعقد جديد .
والخلاف بين الحنفية وغيرهم إنما هو في الحربيين إذا أسلمت المرأة وخرجت مهاجرة إلى دار الإسلام ، فإنّ الحنفية يقولون في هذه الصورة بالخروج من دار الحرب وهي مسلمة : وقعت الفرقة ، فسبب الفرقة اختلاف الدارين ، والمراد به عندهم أن يكون أحد الزوجين من أهل دار الحرب ، والآخر من أهل دار الإسلام ، ولا اعتبار لمضي العدة وعدمه . وغيرهم يقول : لا عبرة باختلاف الدار ، فإذا أسلمت المرأة انتظر إسلام زوجها زمن العدة ، سواء أبقيت في دار الحرب أم خرجت وحدها مهاجرة .
وأما إذا كانا ذميين ، فأسلمت المرأة ، فمذهب الحنفية « 1 » أنّه لا تقع الفرقة حتى يعرض عليه الإسلام ، فإن أسلم ، وإلا فرّق بينهما ، وكذلك إذا بقيا في الحرب .
والجماعة يقولون كما قالوا في الصورة الأولى ، أي أنها تنتظر زمن العدة ، فإن جمعها وإياه الإسلام ، في العدة فهي امرأته ، وإلّا حصلت الفرقة .
وقد استدل الحنفية لمذهبهم بقوله تعالى :
فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ
.
وقالوا في وجه استدلالهم بالآية : إنّ المهاجرة إلى دار الإسلام قد صارت من أهل دار الإسلام ، وزوجها باق على كفره من أهل دار الحرب ، فقد اختلفت داراهما وحكم اللّه بوقوع الفرقة بينهما بقوله :
فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ
ولو كانت
هامش
( 1 ) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني ( 1 / 239 ) .