منهم مؤمنين علماء رفعهم اللّه درجات على غيرهم ، فأوسعوا لهم في المجالس وأكرموهم كما أكرمهم اللّه .
ثم الآية بعد هذا دليل على فضل العلماء ، ولا يقلّ ما روي من الآثار والأخبار في ذلك عن دلالة الآية في الظهور والوضوح ،
فقد أخرج الترمذي وأبو داود « 1 » وغيرهما عن أبي الدرداء مرفوعا « فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب » .
و
أخرج الدارمي « 2 » عن عمر بن كثير عن الحسن قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام ، فبينه وبين النبيين درجة »
و
عنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « بين العالم والعابد مائة درجة ، بين كل درجتين ؛ حضر الجواد المضمر سبعون سنة » « 3 » .
و
عنه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ، ثم العلماء ، ثم الشهداء » « 4 » .
وحسب العلماء أن يلوا الأنبياء ، ويتقدّموا الشهداء .
والمراد بالعلم الذي أوتوه هو العلم النافع في الدنيا والدين ، ولن يكون العلم نافعا يرفع صاحبه حتى يكون هو من العاملين ، وإلا كان من الذين يقولون ما لا يفعلون ،
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ( 3 )
.
قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 12 ) أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 13 )
قد علمتم فيما سبق أن الصحابة كانوا يتنافسون في القرب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مجلسه ، ويتسابقون عليه ، وأنه صعب على بعضهم أن يقوم للمتأخر ، وقد كان بعضهم يناجي الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في بعض شأنه ، وكانوا يكثرون من هذه المناجاة ، فكان ذلك يشقّ على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد يستثقله الحاضرون ، فأراد اللّه أن يحدّ من هذه المناجاة ، وهي لا يمكن منعها ، فقد يكون لبعض الناس شأن لا يحبّ الكلام فيه إلا مناجاة ، وشؤون الناس لا يمكن ضبطها ، ولا معرفة مقدار الأهمية فيها ، إلا بعد
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ( 5 / 47 ) ، كتاب العلم ، باب ما جاء في فضل الفقه حديث رقم ( 2682 ) ، وأبو داود في السنن ( 3 / 313 ) ، كتاب العلم ، باب الحث على طلب العلم حديث رقم ( 3641 ) .
( 2 ) رواه الدارمي في السنن ( 1 / 100 ) ، باب فضل العلم والعالم .
( 3 ) المرجع نفسه .
( 4 ) رواه ابن ماجة في السنن ( 2 / 1443 ) ، 37 - كتاب الزهد 37 - باب ذكر الشفاعة حديث رقم ( 4313 ) .