يتناجى به المنافقون إن وقع فهو بقضاء اللّه ومشيئته ، وما شاء لا بدّ أن يكون .
والقصد من هذا إزالة ما عساه يدخل في نفوس المؤمنين بتأثير هذه المناجاة .
ثم إنّ التناجي بين المؤمنين قد يكون منهيا عنه ، روى البخاريّ ومسلم « 1 » وغيرهما عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر ، حتى تختلطوا بالناس ، من أجل أنّ ذلك يحزنه » .
قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 11 )
كان المؤمنون يتنافسون في القرب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويتسابقون إلى ذلك ، لا يكاد أحد يؤثر غيره بمجلسه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واتفق أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم جلس يوم الجمعة في الصّفة ، وفي المكان ضيق ، وكان عليه الصلاة والسلام يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء ناس من أهل بدر ، منهم ثابت بن قيس بن شماس ، وقد سبقوا إلى المجالس ، فقاموا حيال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته ، فردّ النبي عليهم . ثم سلّموا على القوم ، فردوا عليهم ، فقاموا على أرجلهم ، ينتظرون أن يوسع لهم ، فشقّ ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال لبعض من حوله : قم يا فلان ويا فلان ، فأقام نفرا مقدار من قدم ، فشقّ ذلك عليهم ، وعرفت كراهيته في وجوههم .
واتخذ المنافقون من ذلك طريقا عسى أن يصلوا منه إلى قلوب المؤمنين ، فقالوا : ما عدل رسول اللّه بإقامة من أخذ مجلسه وأحبّ قربه لمن تأخر عن الحضور ، فأنزل اللّه قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا
الآية .
أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان .
والتفسّح في المجلس : التوسع فيه ، أي إذا قال لكم قائل كائنا من كان :
توسعوا ، فليفسح بعضكم عن بعض ، ليأخذ القادم مكانه في المجلس ، فإنّ ذلك سبب المودة والمحبة بينكم ، ومدعاة للألفة وصفاء النفوس .
ولئن كانت الآية نزلت في خصوص التوسع في مجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنّها لمرسلة عامة في كل المجالس التي يكون فيها خير للناس ، مجالس العلم ، ومدارسة القرآن ، ومجالس القتال إذا اصطفوا للحرب ، ومجالس الرأي والشورى ، ومجالس الناس في مجتمعاتهم للأغراض الدينية .
هامش
( 1 ) رواه البخاري في الصحيح ( 7 / 183 ) ، 79 - كتاب الاستئذان ، 46 - باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة حديث رقم ( 2690 ) ، ومسلم في الصحيح ( 4 / 1718 ) ، 39 - كتاب السلام ، 15 - باب تحريم المناجاة حديث رقم ( 37 / 2184 ) .