تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 750

مساهمون:

ص٧٥٠
والذي أعجبنا من كلام الفخر هو الجزء الأخير منه ، وأما ما قبله فهو قابل للمناقشة ، وما نرى في عدم فعل الصحابة طعنا ولا شينا ، بل إنّهم فهموا أنّ شرعية هذا الحكم قصد منها الحد من المناجاة الكثيرة ، فيضيع وقت الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد سبق أن قلنا : إن المناجاة لا يمكن منعها ، فمنها الضروري ، ومنها ما يكون فيه مصلحة عامة للمسلمين . وأما الصدقة فلم تطلب لأنّها صدقة ، فالصدقات مطلوبة ، ومرغب فيها من غير توقف على المناجاة ، ولو أنّ الصحابة فهموا أن المقصود التوسل بالمناجاة لتكون بابا من أبواب الصدقة ما تأخروا ، فمنهم من نزل عن جميع ماله ، ومنهم من كان يريد أن يتصدّق بالثلثين ، لأنه لا يرثه إلا ابنة واحدة . وما دام المقصود القصد من المناجاة التي تشغل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فليحرصوا على القصد ، على أنّهم وجدوا في قوله تعالى :
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فسحة . فمن ذا الذي كانت دراهمه ودنانيره حاضرة معه في مجلس الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حتى يتصدق بها ، أو يقال : إنه لم يمتثل الأمر ؟ ونظنّ أنّا بما قدمنا نجدك في غنى عن تفسير الآية الأولى ، وأما قوله :
أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 13 )
فمعناه أخفتم تقديم الصدقات لما فيها من إنفاق المال ، فإذ لم تفعلوا ما أمرتم به ، وتاب عليكم ، ورخّص لكم في الترك ، فأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، ولا تفرّطوا فيها وفي سائر الطاعات . وليس يشتمّ من هذه الآية أنه وقع منهم تقصير ، فإنّ التقصير إنما يكون إذا ثبت أنه كانت مناجاة لم تصحبها الصدقة ، والآية قالت :
فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا
أي ما أمرتم به من التصدق ، وقد يكون عدم الفعل لأنهم لم يناجوا ، فلا يكون عدم الفعل تقصيرا . وأما التعبير بالإشفاق من جانبهم فلا يدل على تقصيرهم ، فقد يكون اللّه علم أنّ كثيرا منهم استكثر التصدق عند كل مناجاة في المستقبل لو دام الوجوب ، فقال اللّه لهم :
أَ أَشْفَقْتُمْ
. وكذلك ليس في قوله :
وَتابَ اللَّهُ
ما يدل على أنهم قصّروا ، فإنّه يحمل على أنّ المعنى أنه تاب عليهم برفع التكليف عنهم تخفيفا ، ومثل هذا يجوز أن يعبّر عنه بالتوبة ، ولذلك عقب عليه بما يكون شكرا على هذا التخفيف فقال :
فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
يعني أنّه إذا تاب عليكم ، وكفاكم هذا التكليف ، فاشكروه بإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، ومداومة الطاعة ، لأنه المحيط بأعمالكم ونياتكم .