يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ
في رحمته ، أو في منازلكم في الجنة ، أو في قبوركم ، أو في دوركم ، أو في رزقكم ، وفي كل ما تحبّون التوسعة فيه .
وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا
النشز : الارتفاع في مكان ، والمراد هنا النهوض من المجلس ، أي : وإذا قيل لكم انهضوا للتوسعة على المقبلين فانهضوا ، ولا تباطئوا .
وقال الحسن وقتادة والضحاك : إنّ المعنى : وإذا دعيتم إلى قتال أو صلاة أو طاعة فأجيبوا .
وقيل : إذا دعيتم للقيام عن مجلس الرسول فقوموا ، لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان أحيانا يؤثر الانفراد في أمر الإسلام أو لبعض شأنه ، ولا مانع من تعميم الحكم في كل مجلس ، فإذا دعت الحاجة إلى أن ينفرد صاحب المجلس في أمر ، أو إلى أن يخلو ببعض الجالسين ، فله أن يطلب في رفق إلى الجالسين أن يقوموا ، إذا لم يترتب على ذلك مفسدة أعظم ضررا من فوات المصلحة التي دعت إلى الانفراد .
وهذا مما لا نزاع لأحد في جوازه .
نعم لا يجوز للقادم أن يقيم أحدا ليجلس هو في مجلسه ،
فقد روى مالك والبخاريّ ومسلم « 1 » وغيرهم عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ، ولكن تفسّحوا أو توسّعوا » .
وقد جرى الحكم أنّ من سبق إلى مباح فهو أولى به ، والمجالس من هذا المباح ، وعلى القادم أن يجلس حيث انتهى به المجلس ، إلا أنّ مكارم الأخلاق تقضي على الجالسين بتقديم أولي الفضل وأهل الحجى والحلوم ، بذلك جرى عرف الناس وعوائدهم في القديم والحديث .
ولقد كان هذا هو الشأن بين الصحابة في مجلس الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكانوا يقدّمون بالهجرة وبالعلم وبالسن .
روى أبو بكر بن العربي « 2 » بسنده عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه : بينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المسجد وقد طاف به أصحابه ؛ إذ أقبل علي بن أبي طالب ، فوقف وسلّم ، ثم نظر مجلسا يشبهه ، فنظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في وجوه أصحابه أيهم يوسّع له ، وكان أبو بكر جالسا على يمين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتزحزح له عن محله ، وقال : هاهنا يا أبا الحسن ، فجلس بين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبين أبي بكر ، فقال : « يا أبا بكر ! إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل » .
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 3 / 1714 ) ، 39 - كتاب السلام ، 11 - باب تحريم إقامة الإنسان ، والبخاري في الصحيح ( 7 / 177 ) ، 79 - كتاب الاستئذان ، 31 - باب لا يقيم الرجل الرجل حديث رقم ( 6269 ) .
( 2 ) انظر أحكام القرآن لابن العربي ( 4 / 1747 ) .