تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 743

مساهمون:

ص٧٤٣
الغائبين في الغزو من المؤمنين الخلص ، فكانوا يقولون : تم كيت وكيت ، فكانت تنخلع قلوب أقارب المؤمنين من سوء ما يشاع عن أهليهم ، وكان يكاد يؤثّر ذلك فيهم لولا أن الكذب حبله غير طويل ، فلم يلبث الغائبون أن يعودوا منصورين على خير ما يكون النصر ، ويفتضح أمر أولئك الذين لا تخلو منهم أمة ، أولئك دعاة التردد والهزيمة ، ضعفاء النفوس ، لا تقوى نفوسهم على مجالدة أعدائهم ، فيلجئون إلى مقالة السوء يرددونها ، يرجون من وراء ذلك الفتّ في عضد خصومهم ، ولقد كان اليهود والمنافقون يلجئون إلى هذه الحال دائما ، فكانوا يتناجون دون المؤمنين . وكلّما مروا بهم يتغامزون ، فلما كثر ذلك ، شكا منهم المؤمنون إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فنهاهم عن ذلك ، ولكن الضعيف دائما يجد في هذا التناجي سلوة يستر بها ضعفه ، فلم ينتهوا ، فأنزل اللّه فيهم .
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ
. وكانت هذه الحال حالا ذميمة مؤذية ، فنهى المؤمنين أن يفعلوا هذا ، فيكون فيهم هذا الصنف من الناس ، فهم لم يكن منهم هذا التناجي المذموم حتى ينهوا عنه ، إنما نهوا عنه تعريضا بأولئك الذين لا يعيشون إلّا في الظلام ، ويصطادون في الماء العكر ، أرأيت الآية التي سقنا لك فيهم ، وهذا الآية كيف نهي المؤمنون فيها أن يتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا هو الذي كان منهم ، ثم هو تحذير للمؤمنين أن يفعلوا فعلهم ، فيستحقوا ما استحق أولئك من العاقبة . وقيل : بل الخطاب للمنافقين ، وسمّاهم مؤمنين باعتبار ثوبهم الذي يظهرون فيه ، والظاهر الأول ، فإنّ الآية نهت المؤمنين أن يتناجوا بالإثم والعدوان ، أي بما هو إثم في ذاته ، ثم هو عدوان على منصب الرسالة ، إذ يجعل الناس ينفضّون من حول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم أمرتهم إذا كان لا بدّ لهم من التناجي أن يتناجوا بما هو برّ وخير ، وبما هو وقاية لهم ، وحفظ من عذاب اللّه ، ثم أمرتهم بأن يتقوا اللّه الذي إليه يحشرون ، فيحاسبهم على ما كان منهم بعد أن يطلعهم عليه ، لا تخفى عليه منه خافية ، ثم قال اللّه في تعليل ما تقدّم
إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا
. وأسندت النجوى إلى الشيطان باعتبار أنّه الذي يوسوس بها ؛ ويزينها للناس ؛ فيرتكبونها ، وغايته منه إدخاله الحزن على الذين آمنوا ، ولكنّهم ما داموا مؤمنين فلن يضرّهم منه شيء
وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
واسم ليس إمّا الشيطان ، وإمّا التناجي ، وما دام الأمر كلّه للّه ، فإن قدّر اللّه مكروها فهو لا بدّ كائن ، وإن أراد خيرا فلا رادّ لفضله ، يصيب به من يشاء .
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
ولا يبالوا ما يكون من نجوى الشيطان ، لأن الذي