من سورة سبأ
قال اللّه تعالى في قصة سليمان عليه السلام :
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 )
هذا شيء من قصة نبي اللّه سليمان عليه السلام المذكورة في هذه السورة ، ولتعلم سياق الحديث فيها نذكر لك ما قبل هذه الآية . قال اللّه تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 11 ) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ( 12 )
[ سبأ : 10 - 12 ] .
فضمير
يَعْمَلُونَ
عائد على الجن ، وضمير ( له ) يعود على سليمان . فكما سخّر اللّه لسليمان الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ، وسخّرها عاصفة تجري إلى مسافات بعيدة ، سخّر له الجن ، وجعلهم طوع أمره ، ورهن مشيئته ، يعملون صنوفا مما يشاء من أصناف يتعذّر عملها على البشر في ذلك الوقت ، وبالسرعة التي يعملها بها الجن ، ومن هذه الأشياء المحاريب : وهي جمع محراب ، وهي القصور الشامخات ، أو البيوت المرتفعة ، أو أماكن العبادة ، وقد ذكر اللّه المحراب في القرآن في مواضع في سورة آل عمران
وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً
[ آل عمران : 37 ]
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ
[ آل عمران : 39 ] وفي سورة ص
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ( 21 )
[ ص : 21 ] .
ويقول الذين يفسرون المحراب بالقصر : إنه سمّي بذلك لأنه يحارب من أجله .
وقد يبدو من قوله تعالى :
يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ
أنّه المكان المعدّ للصلاة . وأما المحاريب المعروفة الآن بما يدخل في الحائط على سمت القبلة ليتبيّن الناس منها جهة القبلة . فيقول المفسرون : إنها شيء لم يكن قد عرف في الصدر الأول .
غير أنّه قد يرجّح كون المحاريب بمعنى القصور الشامخات أنها ذكرت على أنها مما كان يعمله الجنّ لسليمان ، وقد يكون عمل القصور مما يستعصي على الناس في ذلك الزمن ، لجهلهم بفن العمارة . والتماثيل جمع تمثال بكسر التاء ، وهو بوزن تفعال ، ولم يرد هذا الوزن في القرآن إلا في لفظين ( تلقاء ) و ( تبيان ) .