تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 598

مساهمون:

ص٥٩٨
يملك أهبة النكاح ، وقسم لا يملكها . فالفقراء العاجزون عن أسباب النكاح الذين لا يملكون أهبته قد ندبهم اللّه بهذه الآية إلى ترك النكاح ؛ وأرشدهم إلى ما هو أولى بهم ؛ وأصلح لحالهم : من الاستعفاف وصون النفس إلى وجدان الغنى ، وحينئذ يتزوجون ، فتعيّن أن يكون الفقراء الذين ندب اللّه إلى إنكاحهم بقوله :
إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
هم الذين يملكون أهبة النكاح ، ولا شكّ أنّ الفقير الذي يملك أهبة النكاح يندب له أن يتزوج . والحنفية يبقون الآية السابقة على عمومها ، ويؤوّلون النكاح في هذه الآية على أنّه صفة بمعنى اسم المفعول ، ككتاب بمعنى المكتوب ، فالأمر بالاستعفاف هنا محمول على من لم يجد زوجة له ، وحينئذ لا تعارض بين الآيتين ، ولا يخفى أنّ الغاية في قوله تعالى :
حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
تجعل هذا التأويل بعيدا كل البعد . والكلام فيما يعتري النكاح من الأحكام واختلاف المذاهب فيه مرجعه إلى كتب الفروع . واستدلّ بعض الناس بهذه الآية على بطلان نكاح المتعة ، لأنه لو كان صحيحا لم يتعيّن الاستعفاف سبيلا للتائق العاجز عن مبادئ النكاح وأسبابه ، وظاهر الآية أنّه لا سبيل له إلا أن يصبر ويستعفف . وقد يقال : إذا صحّ هذا كان دليلا على تحريم الوطء بملك اليمين . والجواب : أن من عجز عن المهر يكون عن شراء الجارية أشد عجزا في المتعارف الأغلب عند الناس ، فلا سبيل له إلا أن يصبر ويستعفف .

مكاتبة الأرقاء

وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ
. الكتاب والمكاتبة : مصدرا كاتب كالعتاب والمعاتبة . والكتابة بمعنى العقد الذي يجري بين السيد وعبده على عتقه بعد أن يؤدي مالا يتفقان عليه ، لفظة إسلامية لا تعرفها الجاهلية . وسمّي هذا العقد كتابة إما لأنّ العادة جارية بكتابته لتأجيل العوض فيه ، وإمّا لأنّ السيد كتب على نفسه عتقه إذا أدى المال ، وإما لأنّ العوض فيه يكون منجما بنجوم يضم بعضها إلى بعض
مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
عامّ في العبيد والإماء
إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً
للعلماء في تفسير الخير هنا أقوال : منها أنّ المراد به الأمانة والقدرة على الكسب ، وذكر البيضاوي أنّ هذا التفسير قد روي مرفوعا ، وهو مروي عن ابن عباس ، واختاره الشافعي ، لأنّ مقصود الكتابة لا يحصل إلا بأمانة العبد ، وقدرته على