أم لم ترض ، ولولا أنّ أدلة أخرى جعلت الثيب أحقّ بنفسها لكان حكمها حكم البكر الكبيرة ، أنه يجوز تزويجها دون رضاها .
وأنت تعلم أنه ليس في الآية دليل على إهدار رضا الكبيرة ، ولا اعتباره ، لكن
قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها » « 1 »
يدل على وجوب استئذانها ، واعتبار رضاها ، فكان ذلك مخصصا للآية .
وكذلك استدلّوا بها على أنّ المرأة لا تلي عقد النكاح ، لأنّ المأمور بتزويجها وليّها فلو جاز لها أن تتولى النكاح بنفسها لفوتت على وليها ما جعله اللّه حقا من حقوقه ، ولكنّك قد علمت أنّ الأولى حمل الخطاب في الآية على أنّه خطاب للناس جميعا على معنى ندبهم إلى المساعدة في النكاح ، والمعاونة عليه ، وعلى هذا فحكم مباشرة العقد ينبغي أن يؤخذ من غير هذه الآية .
واستدل بعض الحنفية بظاهر قوله تعالى :
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ
على أنه يجوز للحر أن يتزوج بالأمة مطلقا ، ولو كان مستطيعا طول الحرة .
ويقول الشافعية : إنّ قوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ
[ النساء : 25 ] أخصّ من الآية التي معنا ، والخاصّ مقدّم على العام ، فلا يجوز لمن وجد طول الحرة أن يتزوج أمة ، كما تقدم ذلك في سورة النساء مفصّلا .
وقوله تعالى :
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ
يتناول بظاهره جميع الأيامى ، إلا أنّهم أجمعوا على أنّه لا بد لهذا من شروط : ألا تكون المرأة محرما للزوج بنسب أو رضاع أو مصاهرة ، ولا أخت زوجته ، ولا عمتها ، ولا خالتها ، ولا بنت أخيها ، ولا بنت أختها ، إلى غير ذلك من الشروط التي تكفّلت بها الآيات والأحاديث الصحيحة .
واستدلّ العلماء بقوله تعالى :
وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ
على أنه يجوز للمولى أن يزوج عبده وأمته دون رضاهما ، لأنّ الآية جعلت للسيد حقّ تزويج كلّ منهما ، ولم تشترط رضاهما .
إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
اختار بعض المفسرين أنّ الكناية في قوله تعالى :
إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ
راجعة إلى الأيامى من الأحرار والحرائر والصالحين من العبيد والإماء ، وعلى ذلك يكون المراد من الإغناء التوسعة ودفع الحاجة ، سواء أكان ذلك بملك ما يحصل به الغنى أم لا . واختار آخرون أنّها راجعة إلى الأيامى من الأحرار والحرائر خاصة ، لأنّ قوله تعالى :
يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
ظاهر في أن يملكهم ما يحصل به الغنى ، وتندفع به الحاجة ، والأرقاء لا يملكون ، فليسوا مرادين في الآية .
هامش
( 1 ) رواه البخاري في الصحيح ( 8 / 72 ) ، 9 - كتاب الإكراه ، 3 - باب لا يجوز نكاح المكره حديث رقم ( 6946 ) .