تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 597

مساهمون:

ص٥٩٧
استقر في الطباع من أنّ العيال سبب في الفقر إن هو إلا ارتباط وهمي ، فقد ينمّي اللّه المال مع كثرة العيال ، وقد يحصل الإقلال مع العزوبة ، والواقع يشهد بهذا . وتحقيق ذلك أنّ المراد بيان أنّ النكاح ليس مانعا من الغنى ، فعبّر عن ذلك ببيان أنّه سبب في الغنى مبالغة ، على حدّ قوله تعالى :
فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ
[ الجمعة : 10 ] فإنّ ظاهره الأمر بالانتشار في الأرض إذا قضيت الصلاة ، والمراد تحقيق زوال المانع وإنّ الصلاة إذا قضيت فلا مانع من الانتشار في الأرض ، فعبّر عن نفي المانع من الانتشار بما يقتضي طلب الانتشار مبالغة . هذا ؛ وقد استدل بعض العلماء بالآية على أنّ النكاح لا يفسخ بالعجز عن النفقة ، لأنّه تعالى لم يجعل الفقر مانعا من الإنكاح ، بل حثّ على إنكاح الفقراء ، ووعدهم بالغنى ، فإذا كان الفقر ليس مانعا من ابتداء النكاح فلأن لا يكون مانعا من استدامته أولى . وأنت تعلم أنّ غاية ما تفيده الآية أنّه يندب ألا يردّ الخاطب الفقير ثقة بما عند اللّه . وهذا القدر أيضا ثابت في استدامة النكاح ، فإنّه يندب للمرأة إذا أعسر زوجها بنفقتها أن تصبر وتستأني بها ، وهذا لا يمنعها أن تستوفي حقها من فسخ النكاح إذا كان الشرع قد قرّر لها حق الفسخ للإعسار ، فالمسألة موقوفة على ورود الشرع بالتفريق للإعسار ، فإذا ورد بذلك شرع فالآية لا تنافيه . واستدل بهذا كثير من العلماء على أنّه يندب للفقير أن يتزوج ، ولو لم يملك أهبة النكاح ، فإنّه من البعيد أن يندب اللّه الولي إلى إنكاح الفقير ، ثم يندب الفقير إلى ترك النكاح ، وتمام البحث في الآية الآتية :
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
الاستعفاف : الاجتهاد في العفة وصون النفس . والمراد بالنكاح هنا ما ينكح به ، فإنّ فعالا يكون اسم آلة كركاب لما يركب به . ويجوز أن يراد به حقيقته الشرعية . وبالوجدان : التمكن منه ، ويصح أن يقدّر في الكلام مضاف ، أي لا يجدون أسباب النكاح ومبادئه : كالمهر ، والكسوة ، والسكنى ، والنفقة . يأمر اللّه الذين لا يجدون ما يتزوجون به أن يجتهدوا في العفة عن إتيان ما حرّم اللّه عليهم من الفواحش إلى أن يغنيهم اللّه من سعته ، ويرزقهم ما به يتزوجون . وفي ذلك عدة كريمة بالتفضل عليهم بالغنى تأميلا لهم وتطمينا لقلوبهم . واستدلّ بعض العلماء بالآية على أنّه يندب ترك النكاح لمن لا يملك أهبته مع التوقان . وقد تقدّم أن في الآية السابقة دليلا على ندب النكاح له ، فكأنّ بين الآيتين تعارض في ظاهرهما ، وللعلماء في الجمع بينهما طريقان : فالشافعية يجعلون هذه مخصصة للآية السابقة ، ويقولون : الفقراء قسمان : قسم