الداخل ، فلا يكون النظر وحده من ثقب الباب مبيحا ذلك بالطريق الأولى .
وأجابوا عن حديث أبي هريرة بأنه ضعيف وعلى فرض صحته ينبغي أن يؤول لمخالفته الأصول ، وتأويله أن من اطلع في دار قوم بغير إذنهم فزجر ومنع من ذلك ، فقاوم فقلعت عينه بسبب المقاومة والمدافعة فهي هدر . كما أنّه إذا حاول دخول الدار فمنع ، فقاوم وغالب ، فذهبت عينه فهي هدر .
لكن الشافعية ومن وافقهم يقولون : إنّ هذه حادثة ورد فيها حكم يخصّها ، فهي مستثناة من عموم قوله تعالى :
وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ
. ويقولون بالفرق بين من يتجسس على أهل الدار ويطلع عليهم وعلى عوراتهم من ثقب الباب وهم لا يشعرون ، وبين من دخل عليهم وبصّرهم بنفسه ، وحملهم على أن يتستروا منه . فلا شك أنّ الأول أعظم جرما من الثاني ، فلو قلعوا عينه فلا شيء عليهم ، وذهبت عينه هدرا .
واسم الإشارة في قوله تعالى :
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ
عائد على المذكور في الآية ، وهو الاستئناس والسلام ، فإفراد الإشارة إليه باعتبار أنه المذكور ، ويصحّ أن تكون الإشارة للدخول المطلوب شرعا ، وهو الذي دلّ عليه قوله تعالى :
لا تَدْخُلُوا
.
والظاهر أن كلمة
خَيْرٌ
أفعل تفضيل ، ولا شك أنّ الاستئذان قبل الدخول مع البدء بتحية الإسلام خير مما كان عليه العرب في الجاهلية من الدمور ، وهو الدخول بغير استئذان ، ومن قولهم في التحية : حييتم صباحا ، أو : حييتم مساء ، فإنّ أحدهم كان يدخل بغير استئذان على صاحبه في داره ، فربما وجده مع امرأته في لحاف واحد ، وكان كثير منهم يشقّ عليه ذلك ، ويتأذّى به . والدمور وإن لم يكن فيه شيء من الخير قد فرض فيه ذلك على سبيل التنزل ، أو مراعاة لاعتبارهم أن فيه خيرا ، إذ كانوا يرون أن الاستئذان مذلة تأباها النفوس .
ويرى بعض المفسرين أنّ كلمة
خَيْرٌ
صفة عارية عن معنى التفضيل وحينئذ لا تقتضي إثبات الخيرية للدخول بغير إذن ، ولا لتحية الجاهلية .
وكلمة لعلّ في قوله تعالى :
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
للتعليل ، والحكم المعلّل بها مطوي يدل عليه قوله تعالى :
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ
أي أرشدكم اللّه إلى ذلك الأدب ، وبيّنه لكم لتجعلوه على ذكر منكم ، فتعملوا بموجبه .
قال اللّه تعالى :
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 28 )
قد تكون البيوت المسكونة خالية من أصحابها في وقت من الأوقات ، وفي هذه الحال لا يحلّ أيضا لمن يجدها كذلك أن يدخلها ، فإنّ خبيئات البيوت عورات لها ، والدخول من غير إذن قد يؤدي إلى الاطلاع على هذه العورات ، فيجب على الطارق