تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
بعد ذلك هل الصلاة عمل واحد فيكتفى بالاستعاذة في أولها ، فمن راعى أنها عمل واحد مفتتح بقراءة يقول : إنها طلبت في بدء القراءة ، وقد قالها ، فلا يكررها ، لأنّه لم يفرغ من العمل الذي بدأه بها . والآخرون يرون أنها قد رتّبت على القراءة ، وكل ركعة فيها فيبدأ قراءته في كل ركعة بالاستعاذة . قال اللّه تعالى :
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 106 )
في قوله تعالى :
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ
وجوه من الإعراب ، أحسنها أنّ ( من ) مبتدأ محذوف الخبر ، يدل عليه قوله بعد ذلك
فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ
والتقدير : من كفر باللّه من بعد إيمانه فعليه غضب إلا من أكره إلخ . والحذف في مثل ذلك كثير ، وجوز الرفع على القطع ، والنصب على إضمار فعل الذم ، واستبعد أبو حيان النصب على الذم . وجوز بعضهم كون ( من ) بدلا من الذين لا يؤمنون بآيات اللّه ، ورد بأن المبدل منه مطروح من الكلام ، وهو حينئذ يقتضي أن لا يفتري الكذب إلا من كفر بعد إيمانه ، وأيضا هذا يتنافى مع سياق الآية الأولى ، لأنها سيقت للرد على كفار قريش ، وهم كفار أصليون . وجوز بعضهم غير ذلك ، وأما قوله :
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ
فهو استثناء متصل من ( من ) ، لأنّ الكفر أعمّ من أن يكون اعتقادا فقط ، أو قولا فقط ، أو اعتقادا وقولا ، ومن نطق بكلمة الكفر كافر ، واطمئنان قلبه بالإيمان أمر مبطن لا اطلاع لأحد عليه ، ولذلك صح الاستثناء ظاهرا .
وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
أصل الاطمئنان سكون بعد انزعاج ، والمراد هنا السكون والثبات على الإيمان بعد الانزعاج الحاصل بالإكراه ، وقد يستدلّ بالآية على أن الإيمان هو التصديق بالقلب ، حيث اكتفي بوجود الاعتقاد ، وهو استدلال واه ، إذ إنّ من يقول : إن القول ركن الإيمان لا يعني أنه لا يسقط للضرورة ترخيصا .
وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً
أنس به ، واطمأن إليه ، واعتقده ، وطابت به نفسه ، وانفسح له صدره ، و ( من ) شرطية ، وجوابها
فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ
، والتنوين للتهويل
وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
يتناسب مع عظيم جرمهم . و قد روي في أسباب نزول هذه الآية أنّ عمار بن ياسر وقوما كانوا أسلموا ، ففتنهم المشركون ، فثبت على الإسلام بعضهم ، وافتتن بعضهم . وقد روي أنّ عمارا أخذه بنو المغيرة ، فغطوه في بئر ميمون ، وقالوا : اكفر بمحمد ، فتابعهم على ذلك وهو كاره ، فشكا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال له : « كيف تجد قلبك ؟ » قال : مطمئنا