وروي القول بعدم الوقوع عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير والحسن وعطاء وعكرمة وغيرهم ، وروي عن الشعبي تفصيل يرجع إلى من حصل منه الإكراه ، إن كان السلطان لم يلزمه الطلاق ، وإن كان غيره لزمه .
قال اللّه تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 125 )
يقول اللّه
ادْعُ
يا محمد الناس
إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ
أي إلى شريعة ربك ، وهي الإسلام
بِالْحِكْمَةِ
أي بالقول المحكم
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
بالعبر التي تؤثّر بها في قلوبهم
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
خاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها ، فاصفح عمّا نالوا به عرضك من الشتم والهجاء ، ولن لهم في القول ، وقابل السوء بالحسنى ، وليكن قصدك من الخصومة الوصول إلى الحق ، فلا تعمل ما يعمله السفهاء في جدالهم من رفع الصوت ، وسب الخصم ، والمغالبة باليد والسباب
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
وبمن اهتدى إليه ، فمجازيهم على ضلالهم واهتدائهم ، فله الجزاء لا إليك ، وإنما عليك الدعوة والبلاغ .
وذهب ابن رشد والفخر الرازي وبعض فلاسفة المسلمين إلى أنّ المراد بالحكمة البرهان الذي يفيد يقينا لا يحتمل النقيض ، وبالموعظة الحسنة الخطابة التي تفيد الظن الظاهر والإقناع ، والمراد بقوله :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
استعمل معهم أحسن صناعة الجدل ، فاستعمل معهم المقدمات المسلّمة عند الجمهور ، أو عند المناظر ، لتصل إلى الحق ؛ ولا تستعمل معهم المقدمات الباطلة ، وتروجها عليهم بالسفاهة والشغب والحيل الباطلة .
قالوا : وإنما احتيج لهذه الصناعات الثلاثة : البرهان ، والخطابة ، والجدل ، لأن الناس متفاوتون في العقول والأفهام ، فمنهم من بلغ رتبة الحكمة ، فلا يقنعه إلا البرهان المفيد لليقين الذي لا يحتمل النقيض ، لا حالا ولا مآلا .
ومنهم الطرف الآخر ، المقابل للأول ، وهم جمهور الناس ، وهؤلاء لا يفيدهم إلا صناعة الخطابة . والبرهان مضرّ بهم ، فلا يصلون إليه ، وربما أفسد استعماله معهم عليهم أمرهم .
القسم الثالث بين بين ، فقد ارتفع عن طبقة العامة ، ولم يصل إلى طبقة الخاصة ، وهؤلاء لا يصلحهم إلا الجدل الحسن ، وفي هذا دليل على أن القرآن من عند اللّه ، لأنّ هذه معارف لا يصل إليها إلا الحكماء الذين مارسوا الحكمة وانقطعوا لها ! ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم نشأ أميا ، لم يمارس الحكمة ، فظهور هذه الحكمة العالية على لسانه دليل على أنّه من عند من علّم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم .