تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
بالإيمان ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « فإن عادوا فعد » فنزلت هذه الآية « 1 » . وقد قالوا : إن هذا أصل في جواز إظهار الكفر في حال الإكراه وقالوا أيضا : إنّ الإكراه الذي يبيح ذلك هو أن يبلغ حدّا يخاف معه على نفسه أو بعض أعضائه التلف . إن لم يفعل ما أمر به ، فأبيح له في هذه الحالة أن يظهر الكفر . وقد قالوا : يجب أن يجنح إلى التعريض فيما أمر به ما أمكنه ، فإن ضيّق عليه حتى لم يكن للتعريض سبيل وسعه أن يفعل ، فإن خطر بباله التعريض ولم يعرّض كان كافرا . وأما إن لم يخطر بباله شيء من ذلك بأن كان همه أن يخرج من الإكراه ، وانحصر فكره في ذلك فلا شيء عليه . وحكم هذا الترخيص للإكراه كما يجري في الكفر يجري في غيره ، غير أنه إذا أكره على قتل إنسان لا يجوز له أن يفعل ، وهناك أمور يجب عليه فيها أن يفعل ، فإن لم يفعل كان آثما - وهي مبيّنة في الفقه ، وفي الأصول عند الكلام على أقسام الرخصة - والذي يعنينا هنا هو الإكراه على الكفر ما حكمه ، فقد أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عمارا أن يعود إلى مجاراتهم في القول إن عادوا إلى إكراهه ، فما موجب الأمر ؟ قالوا : إنه للإباحة ، والصارف له عن الوجوب ما روي عن خبيب بن عدي رضي اللّه عنه لما أراد أهل مكة أن يقتلوه ، لأنه لم يعطهم التقية ، بل صبر حتى قتل ، فكان عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خيرا من عمار في إعطائه التقية ، أضعف إلى ذلك أنّ في الصبر على المكروه إعزازا للدين ، وغيظا للمشركين ، فهو بمنزلة من قاتل المشركين حتى قتل ، فتأثير الإكراه في هذه الصورة إنما هو إسقاط المأثم فقط . و قد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » « 2 » فألحق المكره بالمخطئ والناسي . وقد وقع خلاف بين الفقهاء في طلاق المكره وعتاقه ونكاحه وأيمانه ، فذهب الحنفية إلى أنّ الطلاق ونحوه يلزمه ، لأن الطلاق يعتمد الاختيار ، والإكراه ينفي الرضا ، ويحقق الاختيار . وغيرهم يذهب إلى عدم لزومه ، استدلالا بالحديث المتقدم والحنفية يحملونه على رفع الحكم الأخروي وهو المأثم ، والكلام مستوفى في الفقه ، فارجع إليه إن شئت . ومسألة طلاق المكره مسألة خلافية من الصدر الأول ، فقد روي القول بالوقوع عن علي وعمر وسعيد بن المسيب وشريح وإبراهيم النخعي والزهري وقتادة .
هامش
( 1 ) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان ( 14 / 122 ) . ( 2 ) سبق تخريجه ، بلفظ ( إنّ اللّه تجاوز ) بدل ( رفع عن أمتي ) .