تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨

بيان الأصناف الثمانية

الصنفان الأول والثاني : الفقراء والمساكين قال الإمام الشافعي في حد الفقير : إنه من ليس له مال ولا كسب يقع موقعا من حاجته ، والمسكين هو الذي يقدر على ما يقع موقعا من كفايته ، إلا أنه لا يكفيه ، فالفقير أسوأ حالا من المسكين . وقال الإمامان أبو حنيفة « 1 » ومالك : إنّ المسكين أسوأ حالا من الفقير ، والخلاف في ذلك لا يظهر له فائدة في الزكاة ، لأنه يجوز عند أبي حنيفة ومالك صرف الزكاة إلى صنف واحد بل إلى شخص واحد من صنف . لكن يظهر للخلاف فائدة في الوصية للفقراء دون المساكين ، أو العكس ، وفيمن أوصى بألف للفقراء ومائة للمساكين مثلا . ومحل الخلاف إنما هو عند ذكر اللفظين معا ، أو ذكر أحدهما مع نفي الآخر ، أما إذا ذكر أحدهما ولم ينف الآخر ، كما إذا قال : أوصيت للفقراء بكذا ، فلا خلاف في أنه يجوز أن يعطي المساكين ، وهذا معنى قول بعضهم : إنهما إذا اجتمعا افترقا ، وإذا افترقا اجتمعا ، وحجة الشافعي فيما ذهب إليه وجوه : أولها : أنه تعالى بدأ بذكر الفقراء ، وهو جلّ شأنه إنما أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعا لحاجتهم ، وتحصيلا لمصلحتهم ، وهذا يدلّ على أن الذي وقع الابتداء بذكره يكون أشدّ حاجة ، لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم . ثانيها : أن الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقار ظهره ، فعيل بمعنى مفعول ، فهو ممنوع من التقلب والكسب ، ومعلوم أن لا حال في الإقلال والبؤس آكد من هذه الحال . ثالثها : ما روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان يتعوّذ من الفقر « 2 » وقد قال : « اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين » « 3 » فلو كان المسكين أسوأ حالا لتناقض الحديثان لأنه حينئذ يكون قد تعوذ من الفقر ثم سأل حالا أسوأ منه ، أما إذا قلنا إن الفقير أسوأ حالا فلا تناقض البتة . وقد توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يملك أشياء كثيرة ، فدل ذلك على أن كونه مسكينا لا ينافي كونه مالكا لبعض الأشياء . رابعها : قوله تعالى :
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ
[ الكهف : 79 ]
هامش
( 1 ) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني ( 1 - 2 / 120 ) . ( 2 ) رواه النسائي في السنن ( 7 - 8 / 655 ) ، كتاب الاستعاذة ، باب الاستعاذة من الفقر حديث رقم ( 5479 ) . ( 3 ) رواه ابن ماجة في السنن ( 2 / 381 ) ، 37 - كتاب الزهد ، 7 - باب مجالسة الفقراء حديث رقم ( 4126 ) .