تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
فلا أقل من أن تدخل فيه أيضا الصدقة المندوبة ، وتكون الفائدة بيان أنّ مصارف جميع الصدقات ليس إلا هؤلاء الأصناف الثمانية . ومن يرى أن المراد بالصدقات هنا هو الزكاة الواجبة يستدل على ذلك بأمور : الأول : أن ( ال ) في الصدقات للعهد الذكري ، والمعهود هو الصدقات الواجبة التي أشار اللّه إليها بقوله قبل هذه الآية :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ
[ التوبة : 58 ] والصدقات التي كان قوم من المنافقين يعيبون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيها وفي تقسيمها هي الزكاة الواجبة ، فقد روي أنّ بعض المنافقين كان يعيب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في توزيع الصدقة ، ويزعمون أنه يؤثر بها من شاء من أقاربه وأهل مودته ، وينسبونه إلى أنه لا يراعي العدل فيها ، كلّ ذلك كان في الصدقات الواجبة ، فلما ورد قوله تعالى عقب ذلك :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ
دلّ على أنّ المراد الصدقات التي سبق الكلام فيها : وهي الصدقات الواجبة . الثاني : أنّ الصدقات المندوبة يجوز صرفها في غير الأصناف الثمانية باتفاق ، مثل بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر وتكفين الموتى وتجهيزهم ونحو ذلك ، فلو كانت الصدقة المندوبة داخلة في الآية لما جاز صرفها في مثل هذه الوجوه . الثالث : أن اللّه تعالى جعل للعاملين عليها سهما فيها ، ولم يعهد في الشرع نصب عامل لجباية الصدقات المندوبة ، فلو كانت الصدقة المندوبة داخلة في الآية لوجب على الإمام أن ينصب العمال لجبايتها حتى يأخذوا سهمهم منها ، ولم يقل بذلك أحد . الرابع : أثبت اللّه هذه الصدقات بلام التمليك للأصنام الثمانية ، والصدقات المملوكة لهم ليست إلا الزكاة الواجبة . وفي الآية جمعان : بالواو وجمع بالصيغة ، فالشافعي يبقيها على ظاهرها في الجمعين معا ، فيجب عند صرف جميع الصدقات الواجبة سواء الفطرة وزكاة الأموال ، إلى ثمانية الأصناف ، لأن الآية أضافت جميع الصدقات إليهم بلام التمليك ، وشرّكت بينهم بواو التشريك ، فدلك على أن الصدقات كلها مملوكة لهم ، مشتركة بينهم ، فإن كان مفرّق الزكاة هو المالك أو وكيله سقط نصيب العامل ، ووجب صرفها إلى الأصناف السبعة بالسوية ، لا يرجح صنف على صنف إن وجدوا ، وإلا فللموجود منهم ، ولا يجوز أن يصرف لأقل من ثلاثة من كل صنف ، لأن أقل الجمع ثلاثة . وإن كان مفرقها الإمام أو نائبه وجب استيعاب الأصناف كلها ، بهذا قال عكرمة وعمر بن عبد العزيز والزهري وداود الظاهري . وقال الأئمة أبو حنيفة « 1 » ومالك وأحمد رحمهم اللّه : للمالك صرفها إلى صنف
هامش
( 1 ) انظر الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني ( 1 - 2 / 121 ) .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 456 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان