تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
المعصية فيها أشد عقابا ، وأنّ الطاعة فيها أعظم ثوابا . وللّه تعالى أن يعظّم من الأزمان والأمكنة والناس ما شاء لا معقب لحكمه ، فقد ميّز البلد الحرام عن سائر البلاد ، وميّز يوم الجمعة ويوم عرفة عن سائر الأيام ، وميّز شهر رمضان عن بقية الشهور ، وميّز بعض الليالي كليلة القدر ، وبعض الأشخاص بإعطائه الرسالة . وهذا غير مستبعد ، لأنه لا مانع من أن يعلم اللّه تعالى أنّ وقوع الطاعة في هذه الأوقات أكثر تأثيرا في طهارة النفوس وأنّ وقوع المعاصي فيها أقوى تأثيرا في خبث النفس . وأجمع العلماء على أنّ ثلاثة من الأشهر الحرم متوالية وهي : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، وواحد فرد وهو رجب . وقد أشير إلى ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام في خطبة طويلة في حجة الوداع : منها أربعة حرم أولهن رجب مضر ، بين جمادى وشعبان ، وذو القعدة وذو الحجة والمحرم . وقوله :
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
تحريم الأشهر الحرم هو الدين القيم . أي الحكم الذي لا التواء فيه ولا اعوجاج ، بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية . فمعنى كونه قيّما أنه قائم لا يبدل ولا يغير ، ودائم لا يزول ، فلا يجوز نقل تحريم المحرم مثلا إلى صفر . وذلك للرد على ما كان يعمله أهل الجاهلية من تقديم بعض أسماء الشهور ، وتأخير البعض .
فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ
أي في الأشهر الحرم
أَنْفُسَكُمْ
بأن تعملوا النسيء ، فتنقلوا الحج من الشهر الذي أمر اللّه بإقامته فيه ، إلى شهر آخر ، وتغيّروا حكم اللّه تعالى . أو المراد النهي عن جميع المعاصي بسبب ما لهذه الأشهر من مزيد الأثر في تعظيم الثواب والعقاب ، كما أشير إلى ذلك بقوله تعالى :
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ
[ البقرة : 197 ] . فهذه الأشياء لا تجوز في غير هذه الأشهر ، إلا إنه أكّد في المنع منها فيها تنبيها على زيادتها في الشرف .
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً
نهاهم اللّه تعالى عن أن يظلموا أنفسهم في الأشهر الحرم . وأمرهم بقتال المشركين من غير تقييد بزمن ، فيدلّ النص بظاهره على أن القتال في الأشهر الحرم مباح ، ولهذا نقل عن عطاء الخراساني أنه قال : أحلّت القتال في الأشهر الحرم
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
يشير إلى ما فيها من قوله تعالى :
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
ومن قوله :
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً
وأما آيات البقرة الدالة على تحريم القتال في الأشهر الحرم فهي منسوخة بآيات التوبة ، لأنّ سورة التوبة نزلت بعد سورة البقرة بسنتين . ويدل له أنه عليه الصلاة والسلام حارب هوازن بحنين وثقيفا بالطائف في شهر شوال وبعض ذي القعدة .