تقدير القمر بالمنازل علة لمعرفة السنوات والحساب ، وهو إنما يصح إذا كانت السنة معلقة بدورة القمر ، ومنها قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
[ البقرة : 189 ] ولهذا كانت السنة القمرية وشهورها العربية هي التي يعتد بها عند المسلمين في صيامهم ومواقيت حجهم وأعيادهم ومعاملاتهم وأحكامهم .
وباعتبار نقصان السنة القمرية عن الشمسية أحد عشر يوما تقريبا تنتقل الشهور العربية من فصل إلى فصل ، فيكون الحج واقعا في الشتاء مرة وفي الصيف مرة أخرى . وكان الأمر يشق على العرب أيام الجاهلية بهذا السبب ، وكذلك كانوا إذا حضروا للحج حضروا للتجارة أيضا ، وربما يكون الوقت غير مناسب لحضور التجارات من أطراف البلاد ، فيختل بذلك نظام تجارتهم ، وكان كثير من العرب يخالط الطوائف الأخرى فتعلموا منهم الاعتماد على السنة الشمسية ، فأقدموا على الكبس بتكميل النقص الذي في السنة القمرية لتساوي السنة الشمسية ، واعتبروا ذلك مبررا لاعتمادهم على السنة الشمسية ، فاختاروا للحج وقتا معينا لمصلحتهم ، لينتفعوا بتجاراتهم وعباداتهم ومصالحهم .
وكانوا مع هذا يجعلون شهر المحرم مثلا حلالا عام وحراما في عام آخر ، بحسب رغباتهم ، وكانوا يؤخّرون الشهور ، ويقدمونها بحسب أسمائها تبعا لغايتهم .
فإذا كانوا في حرب ، ودخل شهر رجب مثلا ، قالوا : نسميه رمضان ، ونطلق اسم رمضان على رجب . وهذا الأخير هو النسيء الذي اخترعوه . وهو وإن كان سببا لحصول مصالحهم الدنيوية إلا أنه يستلزم تغيير حكم اللّه تعالى فيما تعبدهم به .
كما أنهم اخترعوا الكبس بطريقة غير التي كانت عند غيرهم . فكانوا لتكميل النقص الذي في السنة القمرية عن الشمسية يزيدون في كل ثلاث سنوات شهرا ، لتكون السنة قمرية شمسية . ولكل هذا استوجبوا الذم العظيم ، ونزلت « 1 » هذه الآية ، أي
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ
في علمه تعالى :
اثْنا عَشَرَ شَهْراً
لا أكثر ولا أقل ، للرد على ما أقدم على الزيادة ، فمن حكم على بعض السنوات بأنها صارت ثلاث عشر شهرا فقد جرى على خلاف حكم اللّه ، وأبطل كثيرا من العبادات المؤقتة .
وهذه العدة للشهور ثابتة في علمه تعالى ، و
فِي كِتابِ اللَّهِ
أي في اللوح المحفوظ الذي كتب فيه ما كان وما يكون . أو فيما كتبه اللّه وأوجب على عباده الأخذ به ، وكذلك هي ثابتة في اليوم الذي خلق اللّه فيه السماوات والأرض .
وقوله :
مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ
- جمع حرام - أي أربعة محرّمة حرّم فيها بعض ما كان مباحا في غيرها ، أو هي ذات حرمة تمتاز بها عن بقية الشهور ، فقد ورد أنّ
هامش
( 1 ) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ( 3 / 237 ) .