تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
مكة بالتجارات وحمل الطعام وما يعاش به ، وقد أرسل اللّه عليهم السماء مدرارا ، فكثر خيرهم ، واتسعت أرزاقهم ، وتوجه الناس إليهم من أقطار الأرض . والتعبير بالمشيئة في قوله :
إِنْ شاءَ
لتعليم رعاية الأدب مع اللّه تعالى كما في قوله تعالى :
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
[ الفتح : 27 ] وللإشارة إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على أنّ المطلوب يحصل حتما ، بل لا بد من أن يتضرع المرء إلى اللّه تعالى في طلب الخيرات ، وفي دفع الآفات
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
بأحوالكم و
حَكِيمٌ
يعطي ويمنع عن حكمة وصواب . وهاهنا أمور : 1 - أنه علم مما تقدم أنه لا يجوز تمكين المشرك من دخول المسجد الحرام فقط عند الشافعية ، ومن دخول المسجد الحرام والمساجد كلها عند المالكية ، ويستثنى من ذلك حالة العذر ، كدخول الذمي المسجد للتقاضي أمام الحاكم المسلم . وأباح الحنفية دخول الذمي المساجد كلها . 2 - نقل صاحب « الكشاف » « 1 » عن ابن عباس أنّ أعيان المشركين نجسة كالكلاب والخنازير تمسكا بهذه الآية ، ولكن اتفق الفقهاء على خلاف ذلك ، وأن أبدانهم طاهرة للإجماع على أنهم لو أسلموا كانت أجسامهم طاهرة ، مع أنّه لم يوجد ما يطهرها من الماء أو النار أو التراب أو مثل ذلك . ويدل له أيضا أنّه عليه الصلاة والسلام كان يشرب من أواني المشركين . 3 - قيل الفضل في قوله :
يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
هو حمل الطعام إلى مكة من البلاد التي أسلم أهلها ؛ كجدة وصنعاء كما تقدم ، فإنّه سد حاجتهم وأغناهم عما في أيدي المشركين ، وقيل : المراد به الجزية ، وقيل : الفيء قال اللّه تعالى :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ( 29 )
أمر اللّه المسلمين في الآيات السابقة بقتال أهل الشرك ، وعدم تمكينهم من المسجد الحرام ، وفي هذه الآية أمر اللّه بقتال أهل الكتاب - التوراة والإنجيل - إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية ، وبيّن أن العلة في لزوم قتالهم أمور : الأول : أنّهم لا يؤمنون باللّه ما داموا على حالتهم التي هم عليها ، فإنّ اليهود يعتقدون أنّ الإله جسم ، مع أن الإله الحق منزه عن الجسمية والشبيه ، فهم لا يؤمنون بوجود الإله الحق المنزه عن الجسمية .
هامش
( 1 ) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للإمام الزمخشري ( 2 / 261 ) .