الثاني : قيل : المراد من قوله :
حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
سماع جميع القرآن ، وقيل :
سماع سورة براءة ، لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين ، وقيل : سماع كل ما يدل على أن الإسلام حق .
الثالث : نصّ الفقهاء من الحنفية على أن الحربي إذا دخل دار الإسلام مستجيرا لغرض شرعي كسماع كلام اللّه ، أو دخل بأمان لتجارة وجب تأمينه بحيث يكون محروسا في نفسه وماله إلى أن يبلغ داره التي يأمن فيها .
يؤخذ من الآية ما يأتي
1 - جواز تأمين الحربي إذا طلب ذلك من المسلمين ليسمع ما يدل على صحة الإسلام .
2 - أنه يجب علينا تعليم كل من التمس منا أن نعلمه شيئا من أمور الدين .
3 - أنه يجب على الإمام أن يحفظ الحربي المستجير ، وأن يمنع الناس عن أن ينالوه بشيء من الأذى ، لأن هذا هو المقصود من الإجارة والتأمين .
4 - أنه يجب على الإمام أن يبلغه مأمنه بعد قضاء حاجته ، فلا يجوز تمكينه من الإقامة في دار الإسلام إلا بمقدار قضاء حاجته ، عملا بإشارة قوله تعالى :
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ
وقد نص الفقهاء من الحنفية على أنه يجب على الإمام أن يأمره بالخروج متى انتهت حاجته ، وأن يعلنه بأنه إن أقام بعد الأمر بالخروج سنة في دار الإسلام فلا يمكّن من الرجوع إلى بلاد الحرب ، ويصير ذميا ، وتوضع عليه الجزية .
قال اللّه تعالى :
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 7 )
شروع في تحقيق حقيقة ما سبق من البراءة وأحكامها المتفرعة عليها ، وتبيين الحكمة الداعية إلى ذلك ، بأنه إذا ظهروا علينا لا يرقبون فينا إلّا ولا ذمة .
و ( كيف ) للاستفهام الإنكاري لا بمعنى إنكار الواقع ، بل بمعنى إنكار الوقوع .
و ( يكون ) من الكون التام . و ( كيف ) محلها النصب على التشبيه بالحال أو الظرف ، أو من الكون الناقص ، و ( عهد ) اسمها ، وفي خبرها ثلاثة أوجه :
الأول : أنه ( كيف ) وقدم للاستفهام ، و ( للمشركين ) متعلّق بمحذوف وقع حالا من ( عهد ) أو متعلق بيكون عند من يجوّز التعلق بالناقص .
والثاني : أن خبر ( يكون ) هو ( للمشركين ) و ( عند ) على هذين ظرف للعهد ، أو ليكون ، أو صفة للعهد .