من سورة التوبة
قال اللّه تعالى :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ( 6 )
تعاهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع الكفار من مشركي مكة وغيرهم على ألا يصد عن البيت الحرام أحد من الطرفين ، ولا يزعج أحد في الأشهر الحرم . وهذا هو العهد العام الذي كان بينه عليه الصلاة والسلام وبين أهل الشرك من العرب ، وكان من وراء ذلك عهود بينه عليه الصلاة والسلام وبين كثير من قبائل العرب إلى آجال مسماة ، وقد نقض كثير من المشركين عهودهم مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
ولمكانة الدين الإسلامي من مكارم الأخلاق ، وللإشارة إلى أنه ليس الغرض من فرض الجهاد سفك الدماء ، وإنما المهم الوصول إلى الإيمان وترك الجحود . أرشد اللّه المؤمنين بقوله تعالى :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ
إلخ . إلى أن من جاء من المشركين الذي نقضوا العهد يطلب الأمان ليسمع كلام اللّه ، ويتدبر ، ويطلع على حقيقة الدين ، يجب تأمينه وحمايته حتى يصل إلى غايته ، ولا يجوز قتله ، ولا التعدي عليه . ومتى أراد العودة إلى بلاده يجب تيسير الطريق أمامه ليصل إلى مأمنه ، أي مسكنه الذي يأمن فيه . ذلك التسامح الذي أمرتكم به من إجارة المستجير منهم ، وإبلاغه مأمنه بسبب أن هؤلاء المشركين قوم لا يعلمون حقيقة الإسلام ، ومن جهل شيئا عاداه ، أو هم قوم جهلة ، ليسوا من أهل العلم ، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يفهموا الحق ، وحينئذ لا تبقى لهم معذرة .
وقد ورد أنه جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب فقال : إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء الأجل لسماع كلام اللّه ، أو لحاجة أخرى فهل يقتل ؟ فقال علي : لا ، إنّ اللّه تعالى قال :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
.
وهنا أمور :
الأول : أن المذكور في الآية كون المستجير طالبا لسماع القرآن ، ويلحق به كونه طالبا لسماع الأدلة على كون الإسلام حقا ، وكونه طالبا للجواب عن الشبهات التي عنده ، لأنّ كل هؤلاء يطلبون العلم ويسترشدون عن الحق ، ومن كان كذلك تجب إجارته .