تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
وعند الشافعية لا فرق . وعندهم وجه كالحنفية ،
إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ
أي إن لم تفعلوا ما ذكر ، وهو ما شرع لكم من ولاية بعضكم لبعض ، وتناصركم وتعاونكم تجاه ولاية الكفار بعضهم لبعض
تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ
تحصل فتنة عظيمة فيها : هي ضعف الإيمان ، وظهور الكفر بتخاذلكم وفشلكم المفضي إلى ظفر الكفار بكم ، واضطهادكم في دينكم ، لصدكم عنه
وَفَسادٌ كَبِيرٌ
وهو سفك الدماء على ما روي عن الحسن ، فالمراد فساد كبير فيها . وقيل : مفسدة كبيرة في الدين والدنيا .
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
هذا ليس مكررا مع ما تقدم ، لأنّ مساق الأول لإيجاب التواصل بينهما ، ومساق الثاني الثناء عليهم ، والشهادة لهم بأنهم هم المؤمنون حقّ الإيمان وأكمله ، دون من أقام بدار الشرك مع حاجة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين إلى هجرته ، وأعاد وصفهم الأول لأنهم به كانوا أهلا لهذه الشهادة ، وما يليها من الجزاء المذكور في قوله :
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
لا يقدر قدرها
وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
لا تبعة له ولا منة فيه .
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ
هذا هو الصنف الرابع من المؤمنين في ذلك العهد ، وهم من تأخر إيمانهم وهجرتهم عن الهجرة الأولى ، أو عن نزول هذه الآيات . فيكون الفعل الماضي
آمَنُوا
وما بعده بمعنى المستقبل ، وقيل : عن يوم بدر ، وقيل : عن صلح الحديبية ، وكان سنة ست . وجعلهم تبعا لهم وعدهم منهم دليل على فضل السابقين على اللاحقين .
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ
أولو الأرحام أصحاب القرابة ، وهو جمع رحم ككتف وقفل . وأصله رحم المرأة الذي هو موضع تكوين الولد من بطنها ، ويسمّى به الأقارب ، لأنهم في الغالب من رحم واحد . وفي اصطلاح علماء الفرائض : هم الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب . والمعنى المتبادر من نص الآية أنها في ولاية الرحم والقرابة بعد بيان ولاية الإيمان والهجرة . فهو عزّ وجلّ يقول :
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ
أجدر وأحق من المهاجرين والأنصار الأجانب بالتناصر والتعاون . وكذا التوارث في دار الهجرة في عهد وجوب الهجرة . ثم في كل عهد هم أولى بذلك
فِي كِتابِ اللَّهِ
أي في حكمه الذي كتبه على عباده المؤمنين ، وأوجب به عليهم صلة الأرحام والوصية بالوالدين وذي القرابة في هذه الآية وغيرها . وجملة القول إنّ أولوية أولي الأرحام بعضهم ببعض هو تفضيل لولايتهم على ما هو أعم منها من ولاية الإيمان وولاية الهجرة في عهدها . فالقريب أولى بقريبه ذي رحمه المؤمن المهاجر والأنصاري من المؤمن الأجنبي . وأما قريبه الكافر فإن كان