تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
[ المائدة : 3 ] فأباح المذكى ، ولم يذكر التسمية ، وليست التسمية جزءا من مفهوم الذكاة ، فإنّ الذكاة لغة الشق والفتح وقد وجدا . وبحديث البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجة عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : إنهم قالوا : يا رسول اللّه إن قومنا حديثو عهد بالجاهلية يأتون بلحمان لا ندري أذكروا اسم اللّه عليه أم لم يذكروا أفنأكل منها ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « سموا وكلوا » « 1 » قال أصحاب الشافعي هذه التسمية المستحبة عند أكل كل طعام ، وشرب كل شراب . وأجابوا عن هذه الآية بأنّ المراد فيها ما ذبح للأصنام ، يدل على ذلك وجوه : الأول : أنّ من أكل متروك التسمية ليس بفاسق ، وقد قال اللّه :
وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
. والثاني : أن قوله تعالى :
وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
يدل على أن المراد ما ذبح على اسم الأصنام ، فإن معناه إنّكم لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت على اسم الأصنام فقد رضيتم بألوهيتها ، وذلك يوجب الشرك . والثالث : أن قوله تعالى :
وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
لا يجوز أن يكون معطوفا على النهي قبله ، لأنّ عطف الخبر على الإنشاء ضعيف إن لم يكن ممنوعا ، فكان قوله :
وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
قيدا في النهي ، فصار هذا النهي مخصوصا بما إذا كان الأكل فسقا ، ثم طلبنا في كتاب اللّه تعالى أنه متى يكون الأكل فسقا فوجدناه مفسّرا في آية أخرى ، وهي قوله تعالى :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ
إلى أن قال :
رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
فصار الفسق في هذه الآية مفسّرا بما أهلّ به لغير اللّه ، وإذا كان كذلك كان قوله :
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
مخصوصا بما أهلّ به لغير اللّه . وأجاب بعض الشافعية بجواب آخر وهو حمل النهي على كراهة التنزيه جمعا بين الأدلة . ومع هذا فالأولى بالمسلم أن يجتنب متروك التسمية ، لأنّ ظاهر هذا النص قوي .
وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ
أي وإن إبليس وجنوده ليوسوسون إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوا محمدا وأصحابه في أكل الميتة ، كما سبق . وقال عكرمة : المراد بالشياطين مردة المجوس من أهل فارس ، وكانوا قد كتبوا إلى قريش أنّ محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتّبعون أمر اللّه ، ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلال ، وما يذبحه اللّه حرام ، فوقع في أنفس المسلمين من ذلك شيء فأنزل اللّه هذه الآية « 2 » .
هامش
( 1 ) رواه البخاري في الصحيح ( 6 / 281 ) ، 72 - كتاب الذبائح ، 21 - باب ذبيحة الأعراب حديث رقم ( 5507 ) ، وأبو داود في السنن ( 3 / 19 ) ، كتاب الأضاحي ، باب ما جاء في أكل اللحم حديث رقم ( 2829 ) ، والنسائي في السنن ( 7 - 8 / 272 ) ، كتاب الضحايا ، باب ذبيحة من لم يعرف حديث رقم ( 4448 ) ، وابن ماجة في السنن ( 2 / 1059 ) ، كتاب الذبائح ، باب التسمية حديث رقم ( 3174 ) . ( 2 ) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان ( 8 / 12 ) .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 414 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان