وأحلوا الميتة بأهوائهم وشهواتهم الباطلة ، وبغير علم أصلا ، إنما هو محض الهوى ، وسيجازيهم اللّه على هذا الاعتداء لا محالة .
قال اللّه تعالى :
وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ( 120 )
قيل : المراد اتركوا جميع المعاصي ما أعلنتم وما أسررتم . وقيل : ما عملتم وما نويتم . وقيل :
ظاهِرَ الْإِثْمِ
أفعال الجوارح
وَباطِنَهُ
أفعال القلوب .
وقيل : اتركوا الزنى في الحوانيت واتخاذ الأخدان .
وقد روي أنّ أهل الجاهلية كانوا يرون أنّ الزنى إذا ظهر كان إثما ، وإذا استتر فلا إثم فيه . ثم أخبر اللّه أنه لا بدّ سيجازي مرتكبي المعاصي على عصيانهم .
قال اللّه تعالى :
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ( 121 )
المتبادر من المقام تخصيص ما لم يذكر اسم اللّه عليه بالحيوان ، فيكون ذلك نهيا عن الأكل من الحيوان الذي لم يذكر اسم اللّه عليه ، فتحرم الميتة وما ذكر عليه اسم غير اللّه ومتروك التسمية عمدا كان تركها أم سهوا ، وإلى ذلك ذهب داود ، وروي عن الحسن وابن سيرين .
وقال الشافعي : متروك التسمية حلال مطلقا ، وهو رواية عن مالك .
وذهب الحنفية إلى التفرقة بين العمد والنسيان ، فحرموا متروك التسمية عمدا ، وأحلّوا متروك التسمية نسيانا . وهذا هو الصحيح من مذهب مالك . وعن أحمد ثلاث روايات أصحها عندهم وهي المشهورة عنه : أن التسمية شرط للإباحة ، فإن تركها عمدا أو سهوا في صيد فهو ميتة ، وفي الذبيحة إن تركها سهوا حلّت ، وإن تركها عمدا فعنه روايتان .
وحجة داود ومن قال بقوله هذه الآية الكريمة ، وهي ظاهرة في ذلك .
وللحنفية في تقرير مذهبهم من الآية طريقان :
الأول : أن ظاهر الآية يقتضي شمولها لمتروك التسمية نسيانا ، إلا أنّ الشارع جعل الناسي ذاكرا ، لعذر من جهته ، وفي ذلك رفع للحرج ، فإنّ الإنسان كثير النسيان ، فيكون متروك التسمية سهوا مخصوصا من حكم الآية .
والثاني : أنّ الناسي ليس بتارك التسمية ، بل هي في قلبه على ما
روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « تسمية اللّه على كل مسلم »
وحينئذ يكون متروك التسمية عمدا أو سهوا بقوله تعالى :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ
[ المائدة : 3 ] إلى قوله تعالى :
إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ