ابن ماجة « 1 » : قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين ، وهم اليهود والنصارى .
واختلف الفقهاء في ذلك ، فقال مالك : ديتهم نصف دية المسلمين في الخطأ والعمد ، وقال الشافعي : ثلثها في الخطأ والعمد ، وقال أبو حنيفة : بل كدية المسلم في الخطأ والعمد ، وحجة مالك حديث عمرو بن شعيب ، وحجة الشافعي أنّ عمر جعل ديته أربعة آلاف ، وهي ثلث دية المسلم ، وراعى أبو حنيفة أصله وهو جريان القصاص بين المسلم والذمي ، فكما سوّى بينهما في القصاص سوّى بينهما في الدية .
والدية تأخذها ورثة المقتول ، وهي كميراث يقضى منها الدين ، وتنفّذ منها الوصية ، وتقسّم على الورثة .
روي أن امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر : لا أعلم لك شيئا ، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه ، فشهد بعض الصحابة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمره أن يورّث الزوجة من دية زوجها فقضى عمر بذلك .
فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
أوجب اللّه في المؤمن الساكن بدار الحرب إذا قتله مؤمن تحرير رقبة مؤمنة ، دون الدية ، وإنما حملنا الآية على ذلك ، ولم تحملها على المؤمن الذي يتّصل نسبه بقوم عدو ، وهو ساكن ببلاد الإسلام ، لانعقاد الإجماع على وجوب الدية فيه .
وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
جعل اللّه في قتل المعاهد ما جعله في قتل المسلم من الدية وتحرير الرقبة .
وحمل بعضهم الآية على المسلم الذي هو في قوم معاهدين ، وليس بظاهر ، لأنّه يكون تكرارا ، إذ حكمه داخل في قوله :
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً
.
ولا معنى لإفراده ، لأنه لم يخالف حكمه بخلاف المؤمن الذي هو في قوم عدو ، فإنه أفرده ، لأنّ حكمه يخالف الأول .
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
يقول اللّه : فمن لم يملك رقبة ، ولا ما يتوصل به إليها ؛ فعليه صيام شهرين متتابعين توبة من اللّه ، أي قبولا ورحمة منه من تاب اللّه عليه إذا قبل توبته ، والعامل فيه محذوف . إما ( شرع ) أو ( نقلكم ) من العتق عند العجز إلى الصوم .
وفي التعبير بالتوبة إشارة إلى أنّ القاتل ملوم ، وأنه كان ينبغي له أن يتحرّى ، وقد أوجب اللّه في صيامه الشهرين التتابع ، فلو أفطر يوما وجب الاستئناف ، إلا أن يكون الفطر بحيض أو نفاس أو مرض يمتنع معه الصوم .
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة في السنن ( 2 / 883 ) ، كتاب الديات باب دية الكافر حديث رقم ( 2644 ) .