تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
فيه القصاص ، وقد روي عنه أيضا أنه يثبت شبه العمد ، والذين أثبتوا شبه العمد اختلفوا فيما هو عمد وما هو شبه عمد على أقوال كثيرة ، أشهرها ثلاثة : 1 - قال أبو حنيفة : العمد ما كان بالحديد ، وكل ما عدا الحديد من القضيب أو النار وما يشبه ذلك فهو شبه العمد . 2 - قال أبو يوسف ومحمد : شبه العمد ما لا يقتل مثله . 3 - قال الشافعي : شبه العمد ما كان عمدا في الضرب خطأ في القتل ، أي ما كان ضربا لم يقصد به القتل ، فتولّد عنه القتل ، والخطأ بما كان خطأ فيهما جميعا ، والعمد ما كان عمدا فيهما جميعا . وما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه اللّه من جعل كلّ قتل بغير الحديد شبه عمد ضعيف ، فإنّ من ضرب رأس إنسان بنحو حجر رحى فقتله ، وادعى أنه ليس عامدا كان مكابرا ، والمصلحة تقتضي بالقصاص في مثله ، لأنّ اللّه شرع القصاص صونا للأرواح عن الإهدار ، ولو كان القتل بالمثقّل لا قصاص فيه لارتكبه الناس ، فشفوا نفوسهم بقتل أعدائهم ، ونجوا من القصاص . والفقهاء يعتمدون في إثبات العمد وشبهه والخطأ على الآلة التي بها القتل وأشياء أخرى ذكرت في الفروع ، وكان مقتضى النظر أن يبحث في ظروف القتل ، وما أحاط به من ملابسات ، وفي قرائن الأحوال لنعلم نية القاتل : أهو عامد أم مخطئ ، إلا أنهم رأوا أنّ نية القاتل لا اطلاع لنا عليها ، فاكتفوا بالنظر في الآلة التي كان بها القتل ، ونحن نوافق على أنّ نية القاتل لا اطلاع لنا عليها . لكن ينبغي أن ننظر نظرا أوسع في جميع الملابسات المحيطة لنعلم نيته ، ولعلّه لو قيل بذلك لم يكن بعيدا من الشريعة . وقد أوجب اللّه في القتل الخطأ أمرين : عتق رقبة مؤمنة ، ودية مسلمة إلى أهله ، فأما الرقبة المؤمنة فقد قال ابن عباس والحسن والشعبي فيها : لا تجزئ الرقبة إلا إذا صامت وصلّت . وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة : يجزئ الصبيّ إذا كان أحد أبويه مسلما . حجة الأولين أن اللّه شرط الإيمان فلا بد من تحققه ، والصبيّ لم يتحقق منه . وحجة الآخرين : أنّ اللّه قال
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً
فيدخل فيه الصبيّ ، فكذلك يدخل في قوله :
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
والرقبة قد ذكروا أنها على القاتل ، فأما الدية فهي على العاقلة ، وقد وردت أحاديث كثيرة تدلّ على أنّ الدية على العاقلة « 1 » ، والعاقلة قال الحجازيون : هم قرابته من جهة أبيه ، وهم عصبته .
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة في السنن ( 2 / 879 ) ، كتاب الديات ، باب الدية على العاقلة حديث رقم ( 2633 ) .