تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
من بني عامر بن لؤي ، فأتوه بالمدينة ، وكان عياش أحبّ إخوته إلى أمه ، فكلّموه وقالوا : إنّ أمك قد حلفت ألا يظلّها بيت حتى تراك ، وهي مضطجعة في الشمس ، فإنها لتنظر إليك ، ثم أرجع وأعطوه موثقا من اللّه لا يحجزونه حتى يرجع إلى المدينة ، فأعطاه بعض أصحابه بعيرا له نجيبا ، وقال : إن خفت منهم شيئا فاقعد على النجيب ، فلما أخرجوه من المدينة أخذوه فأوثقوه ، وجلده العامري ، فحلف ليقتلن العامريّ ، فلم يزل محبوسا بمكة حتى خرج يوم الفتح ، فاستقبله العامري ، وقد أسلم ، ولا يعلم عياش بإسلامه ، فضربه فقتله ، فأنزل اللّه
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً
يقول : وهو لا يعلم أنه مؤمن
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا
فيتركوا الدية . قد أوجب اللّه القصاص في القتل في آية البقرة
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى
[ البقرة : 178 ] وأوجب الدية والكفارة في القتل الخطأ في الآية التي معنا ، فيعلم أن الذي وجب فيه القصاص هو القتل العمد ، لا ما يشمل الخطأ ، وقد رأى مالك في بعض الروايات عنه أنّ القتل إما عمد وإما خطأ ، ولا ثالث لهما ، لأنّه إما أن يقصد القتل فيكون عمدا ، أو لا يقصده فيكون خطأ ، ولا واسطة ، والكتاب يساعده . أما سائر فقهاء الأمصار فقد أثبتوا واسطة بين العمد والخطأ ، وهو شبه العمد ، وإلى ذلك ذهب عمر وعلي وعثمان وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري والمغيرة ، ولا مخالف لهم من الصحابة ، وحجتهم في إثباته أن النيات مغيّبة عنا ، لا اطلاع لنا عليها ، وإنما الحكم بما ظهر ، فمن قصد ضرب آخر بآلة تقتل غالبا حكمنا بأنه عامد ، لأنّ الغالب أنّ من يضرب بآلة تقتل يكون قصده القتل ، ومن قصد ضرب رجل بآلة لا تقتل غالبا كان مترددا بين العمد والخطأ ، فأطلقنا عليه شبه العمد ، وهذا بالنسبة إلينا لا بالنسبة إلى الواقع ونفس الأمر ، إذ هو في الواقع إما عمد وإما خطأ ، وقد أشبه العمد من جهة قصد الضرب ، وقد أشبه الخطأ من جهة أنّ الآلة لا تقتل غالبا . وقد استدلوا أيضا بما روي أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ألا إنّ قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا والحجر ديته مغلظة مائة من الإبل ، منها أربعون في بطونها أولادها ، وهو حديث مضطرب عند أهل الحديث « 1 » ، ذكر أبو عمر بن عبد البر « 2 » أنه لا يثبت من جهة الإسناد . ومالك رحمه اللّه يرى أنّ ما يسمى شبه عمد هو عمد يجب
هامش
( 1 ) رواه أبو داود في السنن ( 4 / 199 ) ، كتاب الديات ، باب الدية حديث رقم ( 4588 ) ، والنسائي في السنن ( 7 - 8 / 409 ) ، كتاب القسامة باب كم دية شبه العمد حديث رقم ( 4805 ) ، وابن ماجة في السنن ( 2 / 877 ) ، كتاب الديات باب شبه العمد حديث رقم ( 2627 ) . ( 2 ) هو عبد اللّه بن محمد بن عبد البر القرطبي صاحب كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والمسانيد .