تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
مثله إذ لو اقتصر على قوله :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
لفهم الأمر بالطاعة في كل الأحوال . وأيضا فإنّه كيف يتأتّى النزاع في أمر علم حكم اللّه ورسوله نصا فيه ؟ إن ذلك يكون خروجا عما يقضي به الأمر بالطاعة ، ومن أجل ذلك قيل : إنه يجب أن يكون الأمر بطاعة اللّه ورسوله فيما ثبت نصا عنهما أنه حكم اللّه في كتابه أو سنة رسوله ، فأما ما لم ينصّ فيهما على حكمه فهذا الذي يصحّ أن يتنازع الناس في حكمه ، لأنهم لا يجدون نصّا يلزمهم طاعته ، وبما أنه لا يمكن أن يحوي الكتاب ولا أن تحوي السنة نصوص الأحكام في أشخاص المسائل ، إذ أشخاص المسائل لا تتناهى . فجاز أن تكون حوادث لا نجد لها حكما في كتاب ولا سنة ، فهذه هي التي قال اللّه لنا فيها :
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
أي فارجعوا فيه إلى ما في الكتاب والسنة من أحكام - حيث يكون الحكم قد ورد من أجل حكمة ناط الشارع بها الحكم ، ورتّبه عليها ، وحيث تجدون هذه الحكمة فيما جدّ لديكم من الحوادث - تعلموا أنّ هذا الحكم الذي في الكتاب أو السنة مرتبا على هذه العلة هو حكم اللّه في كتابه أو سنة رسوله فيما جدّ من الحوادث . وهذا هو القياس الذي فهمه معاذ رضي اللّه عنه حين بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى اليمن ، وأقرّه الرسول عليه ، حيث روي أنه قال : « كيف تقضي إن عرض لك قضاء ؟ » . قال : « أقضي بكتاب اللّه » . قال : « فإن لم يكن في كتاب اللّه ؟ » . قال : « أقضي بسنة نبي اللّه » . قال : « فإن لم يكن في كتاب اللّه وسنة رسول اللّه ؟ » . قال : « أجتهد رأيي لا آلو » . قال : فضرب على صدره وقال : « الحمد للّه الذي وفّق رسول رسول اللّه إلى ما يرضي رسول اللّه » « 1 » . وإذا جرينا على ما رآه الفخر الرازي من تفسير أولي الأمر : بأهل الحل والعقد تكون الآية دالّة على حجية الكتاب والسنة والإجماع والقياس . وفي قوله :
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
ما يشعر بكون المتنازع فيه مما لا نص فيه ، وإلا كان واجب الطاعة ، غير محل للنزاع كما قدمنا .
هامش
( 1 ) رواه أبو داود في السنن ( 1 / 295 ) ، كتاب الأقضية ، باب اجتهاد الرأي حديث رقم ( 3592 ) ، والترمذي في الجامع الصحيح ( 3 / 616 ) ، كتاب الأحكام ، باب القاضي حديث رقم ( 1327 ) ، وأحمد في المسند ( 5 / 230 ) .