تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
وقال العلماء : ينبغي ألا يوالي الضرب في محل واحد ، وأن يتقي الوجه فإنه مجمع المحاسن ، ولا يضربها بسوط ولا بعصا ، وأن يراعي التخفيف في هذا التأديب على أبلغ الوجوه . ومع أنّ الضرب مباح فقد اتفق العلماء على أنّ تركه أفضل . أخرج ابن سعد والبيهقي عن أم كلثوم بنت الصديق رضي اللّه عنه قالت : كان الرجال نهوا عن ضرب النساء ، ثم شكوهنّ إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فخلى بينهم وبين ضربهن ، ثم قال : « ولن يضرب خياركم » « 1 » . و روي نحوه عن عمر بن الخطاب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفيه : « ولا تجدون أولئكم خياركم » « 2 » ومعناه أن الذين يضربون أزواجهم ليسوا خيرا ممن لم يضربوا ، فدل الحديث على أن الأولى ترك الضرب . واختلف العلماء في هذه العقوبات أهي مشروعة على الترتيب أم لا ؟ ومنشأ الخلاف اختلافهم في فهم الآية ، فمن رأى عدم الترتيب يقول : الواو لا تقتضيه ، والفاء في قوله :
فَعِظُوهُنَّ
لا دلالة لها على أكثر من ترتيب المجموع على النشوز ، فله أن يقتصر على إحدى العقوبات أيا كانت ، وله أن يجمع من غير ترتيب بينها . ومن ذهب إلى وجوب الترتيب يرى أن ظاهر اللفظ وإن دلّ على مطلق الجمع ، فإنّ فحوى الآية تدل على الترتيب ، إذ الواو داخلة على جزاءات مختلفة متفاوتة واردة على سبيل التدرج من الضعيف إلى القوي إلى الأقوى ، فإنّه تعالى ابتدأ بالوعظ ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع ، ثم ترقى منه إلى الضرب ، وذلك جار مجرى التصريح بأنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به ، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشد . وروي عن علي رضي اللّه عنه ما يؤيد ذلك فإنه قال : يعظها بلسانه ، فإن انتهت فلا سبيل له عليها ، فإن أبت هجر مضجعها ، فإن أبت ضربها ، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين .
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا
. تبغوا : تطلبوا ، أي : فإن رجعن إلى طاعتكم بعد هذا التأديب فلا تطلبوا سبيلا وطريقا إلى التعدّي عليهن . أو : فلا تظلموهن بطريق من طرق التعذيب والتأديب .
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً
قيل : المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النساء ، والمعنى أنه تعالى قاهر كبير قادر ينتصف لهن ، ويستوفي حقهن ، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن ، وأكبر درجة .
هامش
( 1 و 2 ) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ( 2 / 155 ) .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 285 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان