تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
فسمي العاصي جاهلا لذلك ، سواء أتى ذلك مع العلم بكونها معصية ، أم مع الجهل بذلك ، وإلى ذلك ذهب كثير من السلف . أخرج ابن جرير « 1 » عن قتادة قوله :
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ
قال : اجتمع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فرأوا أنّ كل شيء عصي به فهو جهالة ، عمدا كان أو غيره . وأخرج « 2 » أيضا عن مجاهد قال : كل من عمل بمعصية اللّه فذاك منه بجهل حتى يرجع عنه . وذهب الفخر الرازي إلى أنّ الجهالة على معناها ، وأنّ الآية عرضت لمن يجب قبول توبته وجوب تفضل ، وذلك ليس إلا لمن عمل السوء عن جهالة ، أما من فعل السوء عن علم فليس يجب قبول توبته على اللّه ، والتزم أن بعض من يعملون السوء عن جهل مذنبون كاليهودي الذي لا يعلم بطلان مذهبه . وإنما أوخذ لأنه متمكن من أن يعلم ، وهذا فرق بينه وبين الناسي ، قوله :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
معنى القرب فيه يعلم من مقابله ، وهو قوله :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
. فكل ما كان قبل حضور الموت فهو قريب ، وحضور الموت هو وصولهم إلى حالة يغلبون فيها على عقولهم ، ويشتغلون بكرب الحشرجة . و
مِنْ
فيه للتبعيض ، والمعنى : ثم يتوبون بعد وقت قريب ، وسمّى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمنا قريبا ففي أي جزء من هذا أوقع توبته فهو تائب من قريب ، وإلا فهو تائب من بعيد .
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
وفائدة هذه بعد قوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ
أن يبيّن أن ما أوجبه على نفسه سيفي به ، فهذا وعد منه تعالى بذلك .
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
بضعف الإنسان أمام الشهوة والغضب
حَكِيماً
في قبول توبة ذلك الضعيف . قال اللّه تعالى :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 18 )
أخبر اللّه أنه لا توبة للذين يعملون السيئات ،
حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
، وهذا المعنى قد نطقت به آيات عدة . قال تعالى :
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا
[ غافر : 85 ] وقال حكاية عن
هامش
( 1 ) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري ( 4 / 202 ) . ( 2 ) المرجع نفسه ( 4 / 203 ) .