تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
ولأبي مسلم الأصفهاني تفسير آخر بناه على مذهبه من عدم نسخ شيء من القرآن ، وهو أنّ المراد باللاتي يأتين الفاحشة السحاقات ، وباللذين يأتيانها اللوطيان ، أما حكم الزنى فبيّن في سورة النور ، ويرى أنّ هذا أولى لوجوه : أولا : أنه يبقي كلّ آية على حكمها ، فلا ينسخ منها شيء . وثانيا : أنّ الآية الأولى خاصة بالنساء ، والثانية خاصة بالذكور ، فيعلم أنه أراد فاحشة تكون من النساء في الأولى وهي السحاق ، وفاحشة تكون من الذكور في الثانية وهي اللواط ، ولو أراد الزنى لذكر حكم الزاني والزانية في آية واحدة ، كما في سورة النور . وثالثا : أنه على هذا التفسير لا يكون في الآيتين تكرار ، أما على القول الآخر فتكون الآيتان في الزنى فيفضي إلى تكرار الشيء في الموضع الواحد مرتين ، وقد علمت مما تلوناه عليك من تفسير السلف أنه لا قائل بهذا القول من السلف ، وأنه لا تكرار ، إذا الحكم الأول في الثيب ، والحكم الثاني في البكر . وقد زعم الرازي أنّ مجاهدا من السلف قد قال بهذا القول ، ولعله قد ظن أن مجاهدا يريد من الرواية التي تقدمت في الرجلين اللواط ، وقد نظرنا فوجدنا أنه يريد الزانيين ، بدليل أنه رأى أن آية النور نسختها . قال اللّه تعالى :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 17 )
لما ذكر اللّه في الآية السابقة أنّ توبة اللذين أتيا الفاحشة تفيدهما ، ناسب أن يبيّن بعد شروط التوبة ووقتها فقال :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ . . .
إلخ . يعني ليس قبول التوبة على اللّه لأحد من خلقه إلا
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
، وظاهر الآية أنّ من عمل السوء عالما به لا تقبل توبته ، وهذا مخالف لما علم من الشريعة ، ومن مثل قوله :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
[ الزمر : 53 ] . وإن من عمل السوء عن جهل مؤاخذ ، وفي حاجة إلى التوبة ، مع أنّه لم يذنب ولمكان هذا ذهب العلماء إلى تأويل الجهالة مذاهب شتى ، أقربها أنّ كلّ من عصى اللّه سمّي جاهلا ، وسمّي فعله جهالة ، قال اللّه حكاية عن يوسف :
وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ
[ يوسف : 33 ] وقال :
قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
[ البقرة : 67 ] وقال :
فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
[ هود : 46 ] . ووجه تسمية العاصي جاهلا - وإن عصى عن علم - أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما عصى ربّه فلما لم يستعمل هذا العلم صار كأنّه لا علم له ،