قال اللّه تعالى :
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً ( 16 )
يقول اللّه : الرجل والمرأة اللذان يأتيان الفاحشة منكم فآذوهما بالقول ، وعيّروهما ، ووبخوهما على ما أتيا من الفاحشة ، وإن تابا وأصلحا فاتركوا إيذاءهما ، إن اللّه كان توابا على عباده ، رحيما بهم ، وقد اختلف في المراد باللذين يأتيان الفاحشة على أقوال :
1 - أنهما الرجل والمرأة البكران ، وهو قول السدي وابن زيد .
2 - أنهما الرجلان الزانيان ، وهو قول مجاهد .
3 - أنهما الرجل والمرأة لا فرق بين بكر وثيب ، وهو قول عطاء .
والمختار أنهما الرجل والمرأة البكران ، أما أنه لم يرد الرجلين فلأنه قال :
واللذان ، والعرب تعبّر في مثل هذا إما بالمفرد ، وإما بالجمع ، ولا تعبر بالتثنية إلا إذا كان الفعل لا يكون إلا من اثنين ، كالزنى . وأرادت أن تبين حكم الفاعل والمفعول .
وأما أنهما بكران دون الثيبين فلأن اللّه ذكر حكمين : أحدهما : الحبس في البيوت ، والثاني : الإيذاء ، ولا شك أن من حكم عليه بالأول خلاف من حكم عليه بالثاني ، والشرع يخفف في البكر ، ويشدد على الثيّب ، ولذلك لما نسخ هذا الحكم ، جعل للثيب الرجم ، وللبكر الجلد ، فجعلنا الحكم الشديد وهو الحبس على الثيب ، والحكم الأخف وهو الإيذاء على البكر .
وقد نسخ حكم هذه الآية بآية النور ، فجعل حكم الزانيين البكرين جلد مائة .
أخرج ابن جرير « 1 » عن الحسن البصري وعكرمة قالا : في قوله تعالى :
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما
الآية نسخ ذلك بآية الجلد فقال :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
.
وأخرج أيضا « 2 » عن ابن عباس قوله :
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما
فأنزل اللّه بعد هذا :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
فإن كانا محصنين رجما في سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
وقد علمت من القول المختار أنّ اللّه ذكر في آيتي النساء حكم الزانيات الثيّبات ، وحكم الزاني والزانية البكرين ، ولم يذكر حكم الزاني الثيب ، ولعلّه تركه لعلمه بالقياس على المرأة الثيب ، هذا تفسير السلف في الآيتين .
هامش
( 1 ) في تفسيره جامع البيان المشهور بتفسير الطبري ( 4 / 202 ) .
( 2 ) المرجع نفسه ( 4 / 202 ) .