تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
واحتجّ الجصاص « 1 » بقوله تعالى :
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ
على وجوب دفع المال إلى اليتيم إذا بلغ خمسا وعشرين سنة ، قال : لم يشترط في هذه الآية إيناس الرشد في دفع المال إليهم ، وظاهره يقتضي وجوب دفعه إليهم بعد البلوغ ، سواء آنسنا منهم الرشد ، أو لم نأنس ، إلا أنه قد شرطه في قوله تعالى :
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
[ النساء : 6 ] فكان ذلك مستعملا عند أبي حنيفة ما بين بلوغ الحلم وبين خمس وعشرين سنة ، فإذا بلغها ، ولم يأنس منه رشد ، وجب دفع المال إليه ، لقوله تعالى :
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ
فيستعمله بعد خمس وعشرين سنة على مقتضاه وظاهره ، وفيما قبل ذلك لا يدفعه إلا مع إيناس الرشد ، لاتّفاق أهل العلم على أنّ إيناس الرشد قبل بلوغ هذه السن شرط وجوب دفع المال إليه ، يعني ولا إجماع على هذا الشرط بعد بلوغ هذه السن ، ثم قال : وهذا وجه سائغ من قبل أنّ فيه استعمال كلّ واحدة من الآيتين على فائدتها ، ومقتضى ظاهرها ، ولو اعتبرنا إيناس الرشد على سائر الأحوال لكان فيه إسقاط حكم الآية الأخرى رأسا ، ومعلوم أنّه متى أمكننا استعمال الآيتين على فائدتهما لم يجز الاقتصار بهما على إحداهما وإسقاط فائدة الأخرى . وأنت تعلم أنّ هذا الاستدلال متوقف على أنّ المراد بالإيتاء الإعطاء والدفع بالفعل ، وأنّ المراد باليتامى اليتامى باعتبار ما كان ، وهو أحد احتمالين في الآية على ما سبق ، ونحن نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية الاحتمال الثاني ، وهو أنّ الإيتاء مستعمل في الحفظ والصيانة ، واليتامى باق على حقيقته ، وحينئذ يكون في هذا التأويل إعمال كلّ من الآيتين على فائدتها ، ولو سلمنا قصر الآية على الاحتمال الأول ، فالتعارض بينها وبين قوله تعالى :
وَابْتَلُوا الْيَتامى
إلخ وقوله جل شأنه :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ
تعارض الخاصّ مع العام ، لأنّ الآية الأولى توجب دفع المال إلى اليتامى كلهم ، والآيتان بعدها تحرّمان دفع المال إليهم إذا كانوا سفهاء ، ولا شكّ أنّ الخاص مقدّم على العامّ ، وسيأتي الكلام في وجه اختيار هذه السن عند قوله تعالى :
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
[ النساء : 6 ] . قال اللّه تعالى :
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا ( 3 )
المراد من الخوف العلم ، عبّر عنه بذلك إيذانا بكون المعلوم مخوفا محذورا ، والإقساط : الإنصاف والعدل ، أقسط أزال القسوط : وهو الظلم والحيف ، ويقال : أقسط : أي صار ذا قسط ، والقسط العدل .
هامش
( 1 ) أحكام القرآن للإمام أبي بكر الجصاص ( 2 / 49 ) .