وقيل : كانوا لا يتحرّجون من الزنى ، وهم يتحرّجون من ولاية اليتامى ، فقيل :
إن خفتم الحوب في حق اليتامى فخافوا الزنى فانكحوا ما طاب إلخ .
والآية على تأويل عائشة تشهد لمن قال : إنّ لغير الأب والجد أن يزوّج الصغيرة أو يتزوجها ، لأنها - على هذا التأويل - نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها ، فيرغب في مالها وجمالها ، ولا يقسط لها في الصداق .
وأقرب وليّ تكون اليتيمة في حجره ويجوز له تزوجها هو ابن العم ، فقد تضمّنت الآية جواز أن يتزوّج ابن العم اليتيمة التي في حجره ، وإذا جاز له أن يتزوجها ، فإمّا أن يلي هو النكاح بنفسه ، وإمّا أن يزوجه إياها أخوها مثلا ، وأيا ما كان الأمر فلغير الأب والجد أن يزوّج الصغيرة .
ومن قال من الأئمة : لا يزوّج الصغيرة إلا الأب أو الجد ، يحمل الآية على أحد التأويلين الآخرين ، أو يحمل اليتامى على الكبار منهنّ ، ويكون التعبير عنهنّ باليتامى باعتبار ما كان ، لقرب عهدهن باليتم .
والأمر في قوله تعالى :
فَانْكِحُوا
للإباحة ، مثل قوله تعالى :
كُلُوا وَاشْرَبُوا
[ البقرة : 60 ] وقيل : للوجوب ، أي وجوب الاقتصار على العدد المأخوذ من قوله تعالى :
مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
لا وجوب أصل النكاح ، وتمسك الظاهرية بهذه الآية في وجوب أصل النكاح ، وهم محجوجون بقوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا
إلى قوله تعالى :
وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ
[ النساء : 25 ] فحكم تعالى بأنّ ترك النكاح في هذه الصورة خير من فعله ، فدلّ ذلك على أنه ليس بمندوب فضلا عن أنه واجب .
وقوله تعالى :
مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
حال من فاعل
طابَ
أو من مرجعه ، أو بدل منه ، والكلمات الثلاث من ألفاظ العدد ، وتدلّ واحدة منها على المكرّر من نوعها ، ف
مَثْنى
تدل على اثنين اثنين ، و
ثُلاثَ
تدل على ثلاثة ثلاثة ، و
رُباعَ
تدل على أربعة أربعة . والمراد منها هنا الإذن لكل من يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه ومختلفين .
ولو أفردت كان المعنى تجويز الجمع بين هذه الأعداد دون التوزيع ، ولو ذكرت ( بأو ) لذهب تجويز الاختلاف في العدد ، وفي هذه الآية دلالة على جواز تعدد الزوجات إلى أربع ، وعلى أنه لا يجوز التزوّج بأكثر من أربعة مجتمعات ، لأنّ هذا العدد قد ذكر في مقام التوسعة على المخاطبين كما علمت ، فلو كان وراء هذا العدد مباح لاقتضى المقام ذكره .
وقد أجمع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع ، ولا يقدح في هذا الإجماع ما ذهب إليه بعض المبتدعة من جواز التزوّج بأي عدد ، فإنّ الإجماع قد